الإسهالات المائية في السودان: أزمة صحية تتطلب استجابة إنسانية لا توظيفًا سياسيًا
كتب : الدكتور / سلام توتو
عضو سابق اللجنة الدولية للتحضير الطوارى الطبية التابعة لمنظمة الصحة العالمية – لندن*
٢٦ مايو ٢٠٢٥
خيهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على بعض الجوانب الأساسية المرتبطة بالوضع الصحي الراهن في السودان، ولا سيما في منطقة أم درمان، التي شهدت في الأسابيع الماضية تزايدًا ملحوظًا في حالات الإصابة بـ الإسهال المائي الحاد، والذي أدى في بعض الحالات إلى الوفاة. وقد ترافق ذلك مع تضارب في المعلومات حول الأسباب الفعلية وراء هذه الأعراض، خاصة في ظل اتهامات دولية – أبرزها من الولايات المتحدة – باستخدام أسلحة كيميائية في النزاع الدائر، مما زاد من حالة القلق وسط المواطنين.
وفي ظل هذا المشهد، نشطت بعض الجهات السياسية والإعلامية في الترويج لروايات لا تستند إلى وقائع علمية أو ميدانية موثقة، وسعت إلى توظيف الأزمة الإنسانية لأغراض سياسية، دون اعتبار لحساسية الموقف الإنساني والصحي أو لحقوق الضحايا في الحصول على رواية دقيقة ومعالجة سليمة.
⸻
*أولًا: الأعراض المرتبطة بالتعرض للمواد الكيميائية السامة*
وفق التصنيف الطبي، تختلف الأعراض حسب نوع المادة الكيميائية المستخدمة، ويمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:
• العوامل العصبية (مثل غاز السارين وVX): تقلص حدقة العين، إفرازات غزيرة (دموع، لعاب، تعرق)، رعشة عضلية، تشنجات، ضيق تنفس شديد، فقدان الوعي، توقف التنفس، وقد تؤدي إلى الوفاة خلال دقائق.
• العوامل الخانقة (مثل الفوسجين والكلور): سعال حاد، شعور بالاختناق، وذمة رئوية، زرقة، فشل تنفسي.
• العوامل الفقاعية (مثل غاز الخردل): التهابات جلدية شديدة، بثور، تهيج في الأغشية المخاطية للعين والجهاز التنفسي، وقد تظهر الأعراض بعد ساعات من التعرض.
• العوامل الدموية (مثل السيانيد): صداع، دوخة، ضيق تنفس، تسارع ثم بطء في التنفس، غيبوبة، توقف القلب.
وهي أعراض حادة، تتطور سريعًا، وتستلزم تدخلًا طبيًا فوريًا.
⸻
*ثانيًا: الحالة السريرية في أم درمان – نتائج وشهادات ميدانية*
استنادًا إلى شهادات أطباء يعملون في مستشفيات أم درمان، من بينها مستشفى النو، فإن الأعراض التي سُجِّلت لدى غالبية المرضى تمثلت في:
• إسهال مائي حاد
• قيء متقطع
• إعياء عام وجفاف بدرجات متفاوتة
• ارتفاع طفيف في درجة الحرارة في بعض الحالات
وبحسب المعلومات الطبية المتوفرة، فإن الفحوصات السريعة للكشف عن الكوليرا كانت سالبة في معظم الحالات، مما يشير إلى احتمال وجود أنواع أخرى من الإسهالات المائية الحادة غير المرتبطة بالكوليرا تحديدًا.
⸻
*ثالثًا: تصنيف الإسهالات المائية وأسبابها*
تُعرف الإسهالات المائية بأنها فقدان حاد للسوائل من الجسم عبر البراز، ما يهدد بتطور سريع للجفاف، خاصة لدى الأطفال والمسنين. وتشمل الأنواع الأكثر شيوعًا:
1. الإسهال البكتيري
• العوامل المسببة: Escherichia coli، Shigella، Salmonella
• الأعراض: براز مائي، تقلصات بطنية، حمى أحيانًا، استفراغ
2. الإسهال الفيروسي
• العوامل المسببة: Rotavirus، Norovirus
• الأعراض: براز مائي، حرارة خفيفة إلى معتدلة، قيء، خمول
3. الكوليرا
• العامل المسبب: Vibrio cholerae
• الأعراض: براز مائي غزير جدًا (“يشبه ماء الأرز”)، عطش شديد، جفاف سريع، انخفاض ضغط الدم
4. الإسهال الطفيلي
• العوامل المسببة: Giardia lamblia، Entamoeba histolytica
• الأعراض: إسهال مزمن، مغص بطني، أحيانًا دم أو مخاط في البراز، نقص في الوزن
⸻
*رابعًا: نتائج التقصي الوبائي السريع – الأسباب البيئية المحتملة*
من خلال جهود التقصي الوبائي السريع في مدينة أم درمان، تبيَّنت العوامل التالية كمسببات محتملة لتفشي هذه الحالات:
1. انقطاع الكهرباء والمياه في أعقاب استهداف البنية التحتية الحيوية (محطات الكهرباء والمياه) بواسطة طائرات مسيّرة تتبع لقوات الدعم السريع، ما أجبر السكان على استخدام مياه نهر النيل مباشرة، دون معالجة، ما جعلها عرضة للتلوث البيئي والبكتيري.
2. توقف خدمات الإصحاح البيئي في ظل الحرب، وانعدام الرقابة الصحية على مصادر المياه، أدى إلى تدهور جودة المياه المخزنة، خاصة في ظل غياب المعالجة الكيميائية الكافية (مثل الكلور) وانخفاض معدل التجديد والتطهير الدوري للخزانات.
3. ضعف قدرة المؤسسات الخدمية على توفير المواد المطهرة ومعالجة المياه، بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة، ما ساهم في ضخ مياه غير معقمة بصورة منتظمة للسكان.
4. تسرب مياه الصرف الصحي إلى مصادر المياه نتيجة تدمير شبكات الصرف، بالإضافة إلى تلوث البيئة بمخلفات الجثث المتحللة نتيجة القتال، وهو ما يشكّل تهديدًا حقيقيًا للصحة العامة.
⸻
*خامسًا: التوصيات الطبية والوبائية العاجلة*
• إطلاق حملة وطنية لإصحاح البيئة، تشمل تعقيم مصادر المياه، وتنظيف الخزانات، والرقابة على الأسواق الغذائية.
• توفير مياه شرب مأمونة للسكان، خصوصًا في المناطق التي تشهد عودة النازحين، وذلك بالتعاون مع منظمات الإغاثة الدولية والقطاع الصحي المحلي.
• دعم المرافق الصحية بمستلزمات علاج الإسهال الحاد (محاليل الإرواء الفموي، المضادات الحيوية، أجهزة التشخيص السريع).
• رفع الوعي المجتمعي حول طرق الوقاية من الأمراض المنقولة بالمياه (غلي المياه، غسل اليدين، تخزين المياه بطريقة آمنة).
• الابتعاد عن تسييس القضايا الصحية، والتركيز على الاستجابة الإنسانية الفعالة في إطار علمي وأخلاقي.
⸻
*خاتمة*
ما يشهده السودان من أزمات صحية في ظل الحرب والانهيار الخدمي يجب أن يُقابل باستجابة علمية وإنسانية عاجلة، لا بتوظيف إعلامي أو سياسي. إنّ حماية الصحة العامة مسؤولية مشتركة، تبدأ من الاعتراف بالحقائق، وتمر عبر التدخل الميداني الفعّال، وتنتهي بإعادة الاعتبار لقيمة الحياة وكرامة الإنسان