حين يغيب النقاء.. رثاء للقمص فيلوثاوس فرج

كتب: عوض الله نواي

0 24

في زمنٍ تعصف فيه المحن بالسودان، وتتهالك فيه القيم التي جمعت الناس على اختلاف مشاربهم، نفتقد وجوهًا كانت تجسّد معنى الوطن في هيئة بشر. من هؤلاء القلائل، الأب المربي، الراوي، الكاتب، والقمص: فيلوثاوس فرج.

 

عرفته قبل أن ألقاه، من خلال كلماته التي تسرد ولا تُملي، تصف ولا تفتري، ترسم مشاهد الحياة كما عاشها أهل السودان، وكما حلموا بها. ثم عرفته وجهًا لوجه، في تلك المجالس التي كانت تضم صفوة من قيادات البلد ومثقفيه ووجهائه، في رحاب منتدي صافي النور الاجتماعي والذي كان يترأسه الفريق فاروق محمد وكان شخصي الأمين العام للمنتدي ، وتحت مظلة اللواء عبد الله علي صافي النور، حيث تتعانق الضحكات والمودة بين من تفرّقهم السياسة وتجمعهم الإنسانية.

 

كان بيننا القمص فيلوثاوس، بلباسه الكنسي وابتسامته البيضاء، لا تُخطئه العين، ولا يخطئ هو مدّ يدٍ بالسلام لأي إنسان. كان يجلس إلى جوار الفريق الحضيري ، واللواء العاقب، والعميد حسن محجوب، وود العاقب، وغيرهم من أهل الصحافة والمجتمع، كأنه من نسيج لا يعرف اختلاف العقيدة ولا حاجز الدين، بل يحيي فينا جوهر الإنسان.

 

اليوم نرثيه لا لأنه فقط كاهن كنيسة الشهيدين القبطية بالخرطوم، بل لأنه قيمة وطنية وإنسانية، فقد السودان برحيله واحدًا من رجالات الحكمة والتسامح والمحبة الصافية.

 

لقد نعاه مجلس السيادة ببيان وطني راقٍ، وقالت ولاية الخرطوم فيه كلمة وفاء، ونعاه من عرفوه بالدمعة والدعاء، ونعزي ابنه “ميكي” وسائر أسرته الكريمة، ونخص بالتعزية الأنبا إيليا والأنبا صرابامون، وكل الطائفة القبطية الأرثوذكسية في السودان وبلاد المهجر.

 

فيلوثاوس لم يكن فقط رجل دين، بل كان كبيرًا في حضوره، متواضعًا في قوله، نقي السريرة، أبيض القلب. لم يكن يعادي دينًا، بل كان متسامحًا مع الجميع، ومحبًا للكل، ومؤمنًا أن الدين جوهره السلام لا الشقاق.

 

غادرنا رجلٌ من طراز نادر، رجلٌ يُؤرخ له في كتب الرواة، ويُسرد ذكره في المجالس، ويُدعى له في الكنائس وكافة المجالس على حد سواء.

 

نم في سلام أيها القمص الطيب،

فقد أبقيت لنا من ذكراك ما يشبه الوطن حين يكون بخير.

 

رثاء شعري في الفقيد القمص فيلوثاوس فرج:

 

*يا من رحلتَ ونورُك الضافي لم يغبِ*

*ما زال طيفُك في الأنامِ كمنكَبِ*

*أبيضُّ قلبُك لم يَحدْ عن فطرةٍ*

*والحبُّ فيك تَجلّتِ الرُّتبُ*

*يا قمصَنا، والناسُ تشهدُ خَيرَكم*

*في كل دارٍ كنتَ فيها المُرتقبِ*

*سودانُنا في يومكَ الحُزنُ اكتسى*

*والروحُ تَسألُ: أيّ نورٍ قد ذهبْ؟*

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.