مدخل:
حين تُبادر الحركات المسلحة وتتلكأ النخب المدنية ، مفارقة مدهشة أن تأتي المبادرة بدعم التحول الديمقراطي من حركة سياسية ذات جذور عسكرية مثل حركة العدل والمساواة السودانية، بينما تتردّد قوى مدنية وتنظيمات حزبية – بعضها تاريخي – في الاعتراف بالحاجة إلى ملء الفراغ التنفيذي وإنقاذ مؤسسات الدولة.*
بيان العدل والمساواة الذي رحّب بتعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا لمجلس الوزراء لم يكن بيانًا بروتوكوليًا، بل تصرفًا سياسيًا مسؤولًا يُثبت أن بعض الحركات المسلحة باتت أكثر وعيًا بأولوية استقرار الدولة من كثير من رموز المدنية المزيفة.
في زمن المزايدة، وفي سياق الانهيار، لا يُقاس الموقف السياسي بكثرة الصراخ بل بقدرة الفاعل على إدراك الضرورات وتغليب المصلحة العامة على الشعارات المؤقتة.
*بيان العدل والمساواة… وثيقة عقلانية في لحظة اضطراب*
*في بيان رسمي، قالت الحركة:*
“نثمن هذه الخطوة المهمة التي تُنهي فراغًا تنفيذياً استمر لأكثر من ثلاث سنوات ونصف، كان له أثر بالغ في تفاقم التحديات المتعلقة بالخدمات العامة، والأوضاع الإنسانية، ومواجهة آثار الحرب، والتعامل مع المجتمع الدولي بفعالية”.
هذا التصريح يُعبّر عن إدراك حقيقي للأزمة الهيكلية التي خلفها غياب رأس تنفيذي فعّال، ويُعيد توجيه البوصلة نحو دولة يمكن التعامل باسمها، لا على جثتها.
*كامل إدريس… حين يتقاطع الاعتدال مع الحاجة*
إن اختيار شخصية مدنية مستقلة، غير متورطة في حروب الإعلام ولا متورط في فساد النخب، ولا يمثل قبيلة او جهة ، إنما يمثل تقاطعًا نادرًا بين المطلوب دوليًا، والممكن وطنيًا، والمقبول سياسيًا.
وإذا كانت حركة العدل والمساواة قد وجدت في الدكتور كامل إدريس خيارًا مناسبًا، فذلك ليس من باب التزكية، بل من باب الواقعية السياسية.
*لماذا نثمّن هذا الموقف؟*
لأن كثيرًا من القوى – التي تدّعي الاحتكام للثورة أو تمجد اللساتك والراستات والشعارات الجوفاء والغوغائية – ساهمت وكانت جذء من انهيار الدولة دون أن تتقدّم برؤية للخروج من نفق الحرب ، بل ظلت تردد شعارات بالية ( لا للحرب ) وهي محطة بعيدة عن الوطن ، هاجرت قياداتها وتركت السودانين حفاة عراة امام اوباش سرقوا وقتلوا واعتصبوا .
اليوم تجرأت حركة تحمل تاريخًا نضاليًا على وضع ثقلها خلف شخصية مدنية متوازنة.
وهذا يكشف أن الانحياز للتحول الديمقراطي لا يرتبط بكونك مدنيًا أو عسكريًا، بل بقدرتك على مغادرة الاصطفاف نحو بناء الممكن.
*مخرج :*
*السياسة أخلاق في جوهرها*
*حين تختار حركة سياسية مسلحة أن تدعم شخصية مدنية مستقلة، وتعلن التزامها بدعم الانتقال والاستقرار، فهي ترسل رسالة أن الوطنية ليست شعارًا، بل قرارًا سياسيًا له ثمن وله شجاعة.*
*في السودان، كانت المفارقة دائمًا أن بعض البنادق تُحسن التقدير، بينما بعض اللافتات تُحسن التشويش.*
- *لكن اليوم، حركة العدل والمساواة وضعت قدمها في اتجاه الدولة، وهذا يستحق أن يُسجّل، ويُحترم، ويُبنى عليه.*