رد على مقال الدكتور الوليد آدم مادبو: من “دولة المترنحة” إلى دولة العقد الجمعي

بقلم : عوض الله نواي

0 38

تمهيد لا بد منه:

في مقاله المعنون “دولة المترنحة وتسمية العابرين: كامل إدريس رئيسًا!”، كتب الدكتور الوليد آدم مادبو بلغة فلسفية جزلة، محاولًا توصيف تعيين الدكتور كامل إدريس كرئيس للوزراء باعتباره استمرارًا لحالة “التيه المؤسسي” و”التمويه السياسي”، و”الفراغ القيمي” الذي يدير بورتسودان، حسب تعبيره.*

 

لكن حين يكون التشخيص متعاليًا، وينزاح عن الحقائق، ويغفل السياق الكامل للواقع، يصبح النقد – ولو بدا عقلانيًا – جزءًا من إدامة الأزمة لا تفكيكها. وهذا ما حدث للأسف في مقال الدكتور مادبو. فالرجل اختزل شخصية وطنية في سطر، وتجاهل سجلًا ناصعًا، واختار أن يُجرد شخصية مدنية مستقلة من أي قيمة وطنية أو كفاءة، فقط لأنها لا تنتمي إلى “الحراك” الذي يرضي مزاجه.

 

*أولًا: هل كامل إدريس خارج السياق الوطني؟*

بخلاف ما ورد في المقال، فإن الدكتور كامل إدريس ليس غريبًا عن قضايا السودان، ولا منعزلًا عن الهم الوطني. لقد ظل منذ سقوط النظام البائد يقدم نفسه – بوضوح وهدوء – كمثقف مدني، مستقل عن الاستقطاب، مؤمن بالدولة الدستورية، لا بالعاطفة الثورية المنفلتة. ومن ذلك:

• تقديمه مبادرات إصلاحية علنية لبناء حكومة كفاءات ذات شرعية دستورية.

• مساهمته في مؤتمرات الأمم المتحدة والمنصات الفكرية بشأن مستقبل الانتقال في السودان.

• احتفاظه بسجل نظيف في النزاهة والكفاءة، دون انخراط في شبكات فساد أو صفقة سياسية.

 

وبالتالي فإن الطعن في أهليته لا يستند إلى معايير موضوعية، بل إلى نزعة إقصائية تمارس ذات الإلغاء الذي يشكو منه كُتاب مثل الدكتور مادبو.

 

*ثانيًا: WIOP ليست وجاهة…* بل مؤسسة دولية من طراز رفيع

حين يقود سوداني منظمة كبرى مثل WIOP (المنظمة العالمية للملكية الفكرية) لعشر سنوات، ويُنتخب مرتين، ويُعيد هيكلتها ماليًا وإداريًا، فهذا لا يسمى “ترقيعًا سياسيًا” بل تأهيلًا استثنائيًا.

 

الدكتور كامل إدريس لم يكن مجرد موظف دولي، بل مُفاوض عن العالم الثالث ضد احتكار التكنولوجيا، ومناصر لحماية الإبداع في الدول النامية، وقاد مبادرات دمج الدول الفقيرة في نظام الملكية الفكرية الدولي.

لقد تعامل مع رؤساء دول ومؤسسات أممية ومراكز ضغط عالمية، وبنى ثقة يُصعب تجاهلها. فهل هذه كفاءة تُكافأ بالاستخفاف؟

 

*ثالثًا: من يريد الدولة… يجب أن يرحّب بمن يشبهها*

تُدار الدولة بالكفاءات، لا بالشعارات. والمؤسسات لا تبنيها جموع الغضب، بل عقول قادرة على الإدارة والبناء والربط بين الممكن والمطلوب.

في وقت تتراجع فيه الكفاءات الوطنية، ويُفرغ المشهد من المستقلين، يمثل كامل إدريس حالة نادرة: لا يحمل بندقية، لا يلهث خلف حزب، ولا يرفع راية قبيلة.

 

فإن لم يكن هذا هو نموذج الدولة التي ينادي بها الوليد مادبو، فما البديل؟

هل ننتظر مزيدًا من الحالمين أم نمنح الفرصة لمن أعد نفسه عقليًا وأخلاقيًا لهذا الدور؟

دكتور الوليد يدعم تاسيس دولة كاملة برئاسة شفاشفة دون اي سند قانوني ولا رؤية دستورية لميلادها ؟ لا يستقيم الظل والعود اعوج.

*رابعًا: الشرعية لا تأتي من الفيسبوك… بل من الرصيد والسجل*

الشارع ليس صندوق اقتراع، والتظاهرات لا تعطي تفويضًا دائمًا.

الشرعية تُبنى من التوافق، وتُكتسب من السجل، وتُختبر بالأفعال.

والدكتور إدريس، مهما اختلفت معه، لم يُثبت عليه فساد، ولم يخذل وطنه، ولم يكن جزءًا من لعبة الإقصاء أو الدم.

وهذا أكثر مما يمكن أن يُقال عن كثيرين تحلقوا حول الثورة ثم خذلوها.

 

*خامسًا: من الضعين إلى منصة النقد… أين كانت الأخلاق حين احترق الوطن؟*

 

يتحدث الدكتور الوليد عن “الفراغ القيمي”، لكنه لم يتحدث – ولا مرة – عن ما جرى في الضعين، مسقط رأسه، التي تحولت إلى سوق سوداء للمنهوبات القادمة من الخرطوم، الجزيرة، مدني، شندي، بربر، والفاشر.

 

لقد تحولت المدينة إلى مركز لبيع المسروقات علنًا، وسط صمت النخب وزعماء القبائل، بل بتشجيع بعضهم.

 

بل الأدهى، أن شقيقه – ناظر نافذ – ظهر في مقاطع مصورة يُحرّض علنًا على “الشفشفة”، أي النهب، مستخدمًا خطابًا شعبويًا يحوّل الجريمة إلى فخر قبلي.

 

فأين كان صوت الدكتور الوليد؟

أين مقاله عن شرف النساء المغتصبات، وعن آلاف الأسر التي نهبت بيوتها على يد عناصر من أبناء عمومته؟

أليس من الحد الأدنى من النزاهة أن يُدين هذه الأفعال، لا أن يُزايد على مدنيّ لم يحمل سلاحًا، ولم ينهب بيتًا، ولم يغتصب امرأة؟

 

خاتمة موجعة:

يُطالبنا الدكتور مادبو بدولة القيم، لكنه يصمت عن جرائم المليشيا التي خرجت من عمق مجتمعه، ويُهاجم شخصية لم تُلوّث يدها بالدم ولا المال العام.

 

*فليُجبنا بوضوح:*

*هل يؤمن د. الوليد آدم مادبو بدولة يقودها لصوص سرقوا، نهبوا، قتلوا، واغتصبوا؟*

*أم أن العدالة عنده تبدأ وتنتهي عند بوابة التعيين، وتغض الطرف عن المذابح التي ارتكبها الأقربون؟*

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.