المفضل في زمن الحرب: قائد الظلال ورجل الدولة حين غابت الدولة

بقلم: عوض الله نواي

0 15

في أزمنة الانهيار، حين تنهار الجدران وتسقط الأقنعة، تخرج المعادن الأصيلة من بين الركام، تلمع لا بفعل الضوء، بل بفعل المواقف

الفريق أحمد إبراهيم مفضل ، مدير جهاز المخابرات العامة السوداني، لم يكن مجرد مسؤول تقلّد المنصب صدفة، بل رجل دولة نُحتت ملامحه من صخر الانضباط والتجربة، واختُبر في نار السياسة والتقاطعات الجهوية، فخرج أنقى وأقوى وأكثر صمتًا وفعلاً.

حين فشلوا في كسره… حاولوا عزله

عُيّن نائبًا للمدير العام إبان حكومة حمدوك، فحاول البعض من شلّة “قحط” التشكيك في كفاءته، ورماه آخرون بالتبعية للتيارات الإسلامية، بينما سعى فريق ثالث لتصويره كـ”جهويّ” يُؤمّن مصالح الإقليم.

لكنهم جميعًا فاتهم أن الرجل لم يكن يومًا أسير تصنيفاتهم الضيقة. ومن موقعه كنائب، كان عمليًا هو المدير الحقيقي، يدير الملفات الكبرى ويتابع التفاصيل الحساسة، بينما تفرّغ المدير آنذاك للمواكب والمراسم.

راهن عليه البعض من آل “دقلو”، وتوهّموا أنه سيكون حليفهم بحكم الانتماء الجغرافي. لكنهم ما لبثوا أن صُدموا. فالمفضل ليس ابن منطقة، بل ابن دولة. ومنذ تلك اللحظة، تحوّلت سهامهم نحوه، سعوا لإزاحته، شنّوا حملات إعلامية، وحرّضوا رئيس مجلس السيادة لتغييره وتعيين تابعٍ لهم مكانه.

لكن فطنة البرهان حالت دون تسرب المؤامرة. فرفع الرجل إلى موقع المدير العام، وأسند له قيادة جهاز بلا مخالب، منهكٍ بطعنات “قحط”، ومرميّ في قارعة الطريق.

من جهاز بلا سلاح… إلى تشكيل أمني مقاتل

حين اندلعت الحرب، لم يكن للجهاز مخزن ذخيرة، ولا هيكل مقاومة. الهيئة العملياتية قد حُلّت في مسرحية مريبة، والكوادر شُرّدت، والمكاتب جُرّدت من محتواها.

لكن لم يمض وقت طويل، حتى بدأت يد الفريق مفضل ترتّب الأوراق وتبني من العدم.

وعبر عملية أمنية دقيقة، خطّط لها فريقه المقرب بقيادة مدير مكتبه الحالي وسكرتيره الحالي ، خرج من الرياض مرورًا بالسلمة، ومنها إلى مدني، ثم إلى بورتسودان، دون أن ترصده عيون المليشيا، رغم اجتيازه لعشرات الارتكازات.

هناك، في بورتسودان، أعاد الإمساك بخيوط الجهاز الداخلية، فأنقذ البلاد من فقدان بيانات حساسة تشمل:

• ملفات بنك السودان المركزي

• سجلات الأراضي والمركبات

• الأنظمة الإلكترونية للمعلومات المدنية والعسكرية والكثير الكثير الذي يصعب ذكره.

*قوة خاصة بقيادة نائب اللبيب*

لم يكتفِ الرجل بالدور المكتبي، بل شرع في تشكيل قوة أمنية مقاتلة نوعية تابعة لجهاز المخابرات، بقيادة نائبه الهادئ والمحنّك، المعروف بالانضباط والاحتراف وفعلا لبيب بلا مدح.

هذه القوة، التي لا تُعلن، تعمل بصمت في ميادين القتال، وتنفذ عمليات نوعية في قلب العدو، وتلاحق خلايا المليشيا النائمة في المدن، وتوفّر الغطاء الأمني والاستخباري للجيش والمشتركة.

لقد أعاد المفضل رسم حدود الدور الاستخباراتي في زمن الحرب، لا كمراقب، بل كمحارب. فلا غرابة أن يكون جهاز المخابرات اليوم أداة ردع لا تقل أهمية عن المدفعية أو الطيران.

*تواضعٌ لا يغريه المنصب*

ورغم هذا كله، ظل الرجل على تواضعه. لا يظهر في الإعلام، ولا يُكثر من الاجتماعات، يركّز على النتائج لا على العناوين. لا يلاحق عدسات الكاميرا، ولا يسمح لأحد أن يتحدث باسمه.

*هذا رجل لو طُلبت منه الدولة في صمت… لأعادها في صمت*.

في بلدٍ تتقاذفه الأمواج، رجال من طينة الفريق مفضل هم صمام الأمان.

هو من تلك الفئة النادرة التي لا تطلب التكريم، بل تصنعه بأفعالها.

ولو وُزّعت الأوسمة بالعدل، لكان صدر هذا الرجل مرصعًا بما يُساوي الوفاء الصامت، والعمل الخفي، والإخلاص في زمن الخيانة كما فعلها سلفه سئ السمعة السابق صلاح الملقب بقوش.

*فله منّا، نحن الإعلاميين الأحرار، تحية التقدير والاعتراف.*

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.