(الكنابي) … قضية وتحديات مستقبلية ..!

69

كتب : إبراهيم عربي

إتفق مع الجنرال ياسر العطا مساعد القائد العام للقوات المسلحة عضو مجلس السيادة ومع كثيرين أن مشكلة (الكنابي) واحدة من تحديات المستقبل والمعوقات الإجتماعية التي برزت خطورتها مع الحرب وأطلت بوجهها القبيح ، وهي في الأصل مساكن موسمية مؤقتة ، وتحتاج الكنابي مع السكن العشوائي وبعض الأحياء بالمدن لمعالجات جذرية يشارك فيها المجتمع من أهل السودان وهو أكبر ضابط لإيقاع الأمن والسلوك .

فما عادت مشكلة الكنابي مجرد أوكارا للمسكرات والمخدرات تتعامل معها السلطات وفقا لقانون النظام العام ، فقد حولت الحرب بعض منها أوكارا للمليشيا للمشاركة في الحرب ضد الدولة وسيادتها وضد المجتمع ، بل تحولت لساحة جرائم إرهابية والجرأئم العابرة للحدود .

وبالتالي أصبحت الكنابي تشكل عقبة أمنية ومهددا إجتماعيا ولابد من إيجاد حل لها يتوافق ويتواثق عليه الجميع لإنهاء هذه الظاهرة القديمة المتجددة إلي الأبد ، فالحرب جاءت بإفرازات سالبة كثيرة وتحتاج لمعالجات جذرية ، وبالطبع لابد من تغيير شامل ، فالسودان ما بعد الحرب لم يكن ذاته ما قبل الحرب ..!.

فالنظرة المستقبلية للسودان لابد أن تنتهي من كل العلل والأمراض والمعوقات ، وقضية الكنابي واحدة منها وقد ظلت تثير العديد من المشاكل، وإن لم يتم وضع حد لها ستقود لمعارك جانبية بين المجتمعات وبالتالي ستعيق تشكل وتقدم الدولة السودانية .

 فالتغيير الشامل الذي نقصده ليس حصرا علي مشكلة الكنابي فحسب بل لا بد من حلول ناجعة لكل المعوقات المجتمعية لمستقبل السودان بما فيها المحسوبية والقبلية والجهوية وقوانين المحاسبية ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب وضوابط صارمة لعدم التجاوزات الإدارية والقانونية وعدم الإقصاء وغرس قيم الوطنية وسلوك القبول بالآخر ، ولابد من نبذ خطاب الكراهية والتفرقة العنصرية بين المجتمعات .

علي أي حال لا مجاملة لأي شخص حمل السلاح مقاتلا أو متعاونا مع مليشيا الدعم السريع الإرهابية مهما كان وضعه وشخصيته إن كان 

بالمدن أو الكنابي أو غيرها

، وذهب في صف القوات المسلحة أو حركات الكفاح المسلح أو غيرها ، فالمليشيا أزهقت الأرواح بصورة بشعة ممنهجة ، نهبت الممتلكات العامة والخاصة وأغتصبت النساء والفتيات وتم سبي بعضهن خارج السودان واحتلت مساكن المواطنين وأفقرتهم حد الكفاف وشردتهم بين لاجئ ونازح مخلفة حالة إنسانية وصفت الأسوأ بالعالم ..!.

بلا شك فإن الحرب كشفت أن المتعاونين كانوا الأكثر خطرا من المليشيا أنفسهم لأنهم سكان وعملوا كطابور خامس (غواصات) مرشدين وقد ملكوا المليشيا معلومات عن المواطنين ، وبالتالي لابد من تفعيل القانون العادل وكل مجرم يلقى جزاءه ، وبالطبع لا يشمل عفو رئيس مجلس السيادة العفو في القضايا الشخصية ، فالعفو هنا عن جريمة الحرب ضد الدولة أما التجاوزات مسؤولية فردية وهي حقوق لمواطنين وأنصح أي متظلم باللجوء للسلطات القضائية ..!.

المعلومات المتوفرة أن سكان الكنابي فيهم سودانيين وافدين من بعض المناطق بسبب الجفاف والتصحر عبر الحقب المختلفة، وفيهم أيضا أجانب جاءوا للسودان بسبب الحروب وغيرها وشقوا طريقهم لمناطق المشاريع الزراعية وبعض المدن في ظل تساهل القوانين وسوء الإجراءات السودانية ، وأن التقارير كشفت عن وجود أكثر من (عشرة) ملايين من الأجانب يتساكنون ويتعالجون ويعملون ويعيشون بين المجتمعات بكافة ولايات السودان دون مستندات ودون أي أوراق ثبوتية  .

وبالتالي هؤلاء الأجانب لا مكان لهم بيننا وقد بدأت ولاية الخرطوم في ترحيلهم وعلي الولايات الأخرى حذوها وفقا لسلطاتهم ، إما السودانيين النازحين بالكنابي وغيرها تحتاج لمعالجات تتوافق عليها المجتمعات فيما بينهم ، لا سيما وأن الأرض التي يستغلها هؤلاء هي أرض حكومية والقانون يعطي أي سوداني الحق في السكن والتملك والعمل وفقا لضوابط محددة .

وبالتالي لا يمكن إطلاق الإتهامات هكذا علي عواهنها بالشمول مثلما لا يمكن أن نتهم قبيلة محددة أو مكونات محددة بكاملها أنهم عناصر لمليشيا الدعم السريع ، ولكن الصحيح أن هنالك أناس في صف الدعم سريع لتقديرات خاصة بهم ومن بينهم جزء من سكان الكنابي إن كانوا في ولاية الجزيرة أو غيرها ، وبلا شك يتطلب الأمر تحريات قانونية فالمجرم لا قبيلة له بالقانون ، ولا يمكن أن نترك الباب هكذا للمجتمع للإقتصاص ، ولكن لكي لا يحدث مالا يحمد عقباه علي السلطات تفعيل القوانين .

في تقديري الخاص علي الحكومة التخطيط لحل كل مشاكل السكن العشوائي وعلي رأسها مشكلة الكنابي ، والراجح والأوفق أن تحول السلطات السودانيين من سكان الكنابي إلي مناطق مخططة مساكن ثابتة حول المدن تتوفر فيها المياه النظيفة والكهرباء والتعليم والصحة وأصحاح البيئة حتي نقضي نهائيا علي كثير من الأمراض المستوطنة والظواهر السالبة ، لا سيما الغبن المجتمعي ودعاوي التهميش .

وأشير أن هنالك تجربة في حلفا الجديدة منذ التسعينات من القرن الماضي لعمل (ثمانية) مجمعات سكنية تجمع فيها الكنابي لمعالجة ظاهرة تمددها وآثارها الإجتماعية ، على ما أظن تم تنفيذ (ثلاثة) منها بنهر عطبرة ولم تكتمل الأخريات لأسباب لوجستية ولكنها نموذجا يمكن البناء عليه .

الرادار .. السبت الثامن من مارس 2025 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.