تحـدت ظـروف الحــرب وأنعشـت ذاكـرة الـــدولة .. كيف تحولت «البدلـة البيضاء» من تنظيم السير إلى معركة الخدمة والسلامة الرقمــــية؟
قراءة وتحليل / اللازم السفير
في الشارع العام السوداني، وحيثما تلاطمت أمواج الظروف الاستثنائية وتغيرت تفاصيل الحياة المعتادة، ظلت هنالك علامة فارقة لم تغب عن العين:(البدلة البيضاء).
ليست شرطة المرور مجرد إدارة خدمية تُنظم حركة المركبات بل هي نقطة التماس الأولى والأكثر كثافة بين الدولة والمواطن فهي الحاضرة في تفاصيل يومه، ومع سائقي المركبات، وغرف النقل السفري، والبنية التحتية، والمؤسسات الاقتصادية. ومن قلب قاعة تدريب الضباط بـ «هيئة التدريب»، وفي منبر الشرطة الصحفي الدوري اتسم بالشفافية والوضوح، كشفت الإدارة العامة للمرور عن وجه آخر لعملها معركة صامتة لخوض معالجة آثار الحرب، واستعادة ذاكرة الدولة الفنية، والانتقال بنظام المرور نحو التحول الرقمي الشامل.
*الإنجاز السيادي الأعظم استعادة (الذاكرة الوطنية) للسيارات*
أحد أكبر الهواجس التي واجهت المواطنين عقب اندلاع الحرب كان مصير بيانات ملكياتهم وممتلكاتهم كيف يُمكن إثبات ملكية مركبك إذا أُحرقت الأوراق أو أُغلقت المقرات؟
هنا جاء التنوير الفني ليكشف عن إنجاز سيادي وقومي بكل المقاييس استعادة كامل قاعدة البيانات (Data) الخاصة بالمركبات ورخص القيادة في السودان دون أخطاء. ولم تكتفِ الإدارة بذلك، بل أسست مراكز بيانات بديلة في الولايات ومركزاً احتياطياً خارج البلاد تحسباً لأي طارئ.
*كيف انعكس هذا الإنجاز على حياة المواطن مباشرة*؟
حماية الحقوق والممتلكات: تم استعادة أكثر من 817 مركبة ميدانياً، وضبط شبكات تزوير المستندات، والقبض على عشرات المركبات المسروقة عبر الحملات الميدانية.
عودة الخدمات للمدن: تم تشغيل أكثر من 8 مراكز لترخيص العاصمة المثلثة (سوبا، كرري، شرق النيل، مجمع أم درمان، ومجمع بحري)، إلى جانب تهيئة 31 قسماً ومركزاُ في مختلف الولايات.
*إحصائيات بالأرقام: بلغت المركبات المسجلة كلياً أكثر من*
2.1 مليون مركبة، فيما بلغت رخص القيادة أكثر من 3.1 مليون رخصة. وتم إصدار أكثر من 193 ألف رخصة جديدة وتجديد أكثر من 341 ألف رخصة في مرحلة ما بعد الحرب، مما يؤكد أن عجلة الخدمة لم تتوقف لحظة.
*التحول الرقمي: الخدمة تُلاحق المواطن في 16 دولة*
لم تعد خدمة المرور محصورة في المكاتب المعتمة والصفوف الطويلة، بل امتدت عبر التطبيقات والمنصات الذكية لتفك عزلة المواطن بالداخل والخارج:
منصة «سالم» و«ساير»: أتاحت للسودانيين في 16 دولة حول العالم تجديد رخص القيادة «أونلاين» واستلامها مكرّم عبر السفارات والقنصليات، مع خطة سارية لتعميم هذه التجربة الفائقة داخل السودان.
*منصة «البلاغ الإلكتروني*
حلت معضلة التبليغ عن المركبات المفقودة أو المنهوبة، حيث سجلت المنصة أكثر من 68 ألف بلاغ أسهمت مباشرة في العثور على ما يقارب 9,058 مركبة وإعادتها لأصحابها.
منصة «إنساب» وتعديل الملكية: أُعدت معالجات قانونية وفنية شفافة (وفق المادتين 8 و15 من قانون ولوائح المرور) لضبط عمليات نقل الملكية وحفظ حقوق الملكية الفكرية والمالية عبر المنصات المخصصة للمحامين والمواطنين الحاضرين شخصياً.
*مشروع «التتبع الجغرافي»: حقن الدماء وتأمين استثمارات بمليارات الجنيهات*
على الطرق القومية، حيث تلتقي الولايات بالمرور السريع، لم يعد ضبط حركة الحافلات والباصات السفرية يعتمد على العنصر البشري وحده.
تم تشغيل غرفة تحكم وسيطرة إلكترونية متطورة تربط حالياً أكثر من 800 باص سفري بنظام التتبع الجغرافي (GPS) والرادارات، حيث تُحدد السرعة القصوى بـ (90 كم/ساعة). أي تجاوز لهذه السرعة يُسجَّل إلكترونياً كإجراء وقائي حيوي.
*الأثر المباشر على المواطن والمجتمع*
الباص السفري اليوم يقارب قطاع استثماري بقيمة تلامس الـ 600 مليار جنيه والحوادث على الطرق القومية
تفكيك هذه الثروة الوطنية وتزهق الأرواح.
هذا المشروع بالشراكة مع شركات التأمين ووزارة المالية لا يهدف لجباية أو تحصيل إيراد، بقدر ما يهدف إلى حقن دماء المسافرين، والحد من التهور، وحماية الأرواح والممتلكات.
*الإنسان أولاً: التدريب على «النزاهة، الإسعاف، وحسن التعامل*
التقنية بلا عنصر بشري مؤهل لا تصنع فارقاً. لذا، كشفت إدارة الشؤون العامة وهيئة التدريب عن تحول محوري في فلسفة رجل المرور المعاملة الإنسانية والسلامة المرورية هي الأصل، وليست جباية الأموال.
أكثر من 150 دورة تدريبية استهدفت أكثر من 536 ضابطاً و2621 فرداً، تركزت على تعديل السلوك والتعامل مع الجمهور المتأثر بضغوط الحرب والنزوح.
الإسعافات الأولية وتأهيل رجل الشارع للتعامل مع طوارئ الحوادث. ضبط النفس، الأمانة، والنزاهة في الشارع العام.
تزامن ذلك مع الانتشار الميداني والشامل في كافة الولايات الآمنة من بورتسودان ونهر النيل، إلى عطبرة، أبوحمد، المتمة، كوستي، سنار، والقضارف، وصولاً إلى أقصى الحدود في الدندر والسوكي ودلقو بالولايات الشمالية.
خلاصة القول: رؤية 2026 التي قدمتها الادارة العامة للمرور والمسؤولية الإعلامية وما شهدناه في هذا المنبر المميز يمثل قراءة حقيقية لخطة عام 2026 ومرحلة التعافي وإعادة البناء حيث أثبتت المؤسسة الشرطية والمرورية أن الدولة لا تُقاس فقط بمدى حضورها العسكري بل بمدى قدرتها على تقديم الخدمة. وحماية حقوق المواطن، والاشتغال بالتطوير تحت أصعب الظروف.
ويبقى الإعلام الواعي الشريك الأصيل للجهاز الخدمي ينقل الإنجاز بعين الموثق وينقد الخلل بعين المصلح، ليظل الهدف الأسمى واحد سلامة المواطن، وحفظ كرامته، وأمانُه على امتداد الطرقات.