فائز عبدالله..يكتب : أم درمان بالثقافة.. تدشين كتاب “أم درمان الأمس.. حلم سيعود” وسط دعوات للإعمار وحفظ الذاكرة*

1

 

 

في مساء يحمل عبق المكان وتاريخه، عادت أم درمان لتكتب فصلاً جديداً من فصول صمودها، لكن هذه المرة بالحبر لا بالبندقية. احتضن المركز الثقافي امدرمان والمدينة العريقة تدشين كتاب “أم درمان الأمس.. حلم سيعود” للكاتب محمود الشين، في احتفاء ثقافي تجاوز حدود الكتاب ليصبح دعوة صادقة للإعمار واستعادة الذاكرة التي حاولت الحرب طمس معالمها. القاعة التي امتلأت بالكتاب والفنانين والإعلاميين لم تكن مجرد مكان لإطلاق عمل أدبي، بل كانت شاهدة على إصرار أم درمان أن تحيا، وأن تروي حكايتها بصوت أبنائها قبل أن ترويها الغربة.

 

الكتاب الذي جاء عنوانه كوعد، “الأمس حلم سيعود”، ليس سرداً للماضي بقدر ما هو خريطة طريق للمستقبل. في كلماته استعاد محمود الشين شوارع الموردة ووهج سوقها، وصوت النيل وهو يعبر كبري شمبات، وضحكات الحارات التي لم تكن تعرف أن الغياب قادم. لكنه لم يقف عند الحنين، بل جعل من الذاكرة سلاحاً للمواجهة، ومن الحلم مشروعاً للعودة. ولذلك جاءت الدعوات التي صاحبت التدشين موحدة على هدف واحد: أن الإعمار لا يبدأ بالطوب والأسمنت وحده، بل يبدأ بحفظ ما يجعل المكان وطناً، يبدأ بحفظ الحكاية.

وعن تجربته في كتابة الكتاب، قال محمود الشين إن ما بين يدي القراء اليوم لم يكن مجرد فكرة كتبها على الورق، بل “حلم تحقق في السودان وأم درمان”. حلم ظل يراوده مع كل خبر عن الدمار، ومع كل صورة لشارع فقد ملامحه، حتى قرر أن يواجه الغياب بالكتابة. فإذا كان الخراب يريد أن يمسح المدينة من الخارطة، فالكلمة ستعيد رسمها في وجدان أهلها. هذه هي الرسالة التي حملها الكاتب للحضور: أن أم درمان لا تُبنى بالخرسانة فقط، بل تُبنى بمن يذكرونها، بمن يصرون على أن يقولوا للعالم إن لهذه المدينة وجهاً قبل الحرب ووجهاً سيعود بعدها.

 

التدشين لم يكن احتفالاً بكتاب، بل كان شهادة ميلاد جديدة لأم درمان. شهادة تقول إن الثقافة قادرة على أن تكون خط الدفاع الأول عن هوية المدينة، وإن الكلمة حين تصدق تصبح أقوى من الدمار. وإن كان الأمس قد مضى، فإن حلم عودته، كما كتب محمود الشين، سيظل حياً ما دام في أم درمان من يحمل القلم، ومن يؤمن أن الذاكرة وطن لا يهدم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.