رمضان محجوب… يكتب: انواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار – الحلقة 38
العبور الحذر
▪ لم يكن فجر الثلاثاء، السادس من أغسطس 2024، يوماً عادياً في أيام النزوح، بل بداية لرحلة محفوفة بالشوك والترقب. غادرنا طيبة الشيخ عبد الباقي والقلوب مثقلة بوجع الفراق، ويمّم السائق البص شطر القضارف عبر مسالك البطانة الوعرة. تنفسنا الصعداء بعد أربعة ارتكازات خلفناها وراءنا، لكن الحقيقة المرة واجهتنا حين توقفنا قسراً عند ارتكاز مركز القلب؛ مكمن الخوف والوجع، القابع جنوب غرب مدخل كوبري حنتوب، حيث تتمركز النواة الصلبة للمليشيا.
▪ تمدد الارتكاز في مساحة شاسعة جنوب شرق المركز، وبدت تفاصيل المكان كمسرح جُهز لعزل وإذلال الأبرياء. انقبضت الصدور وتيقنا أننا أمام تفتيش عسير، وأن التدقيق في الهويات سيكون سيفاً مصلتاً على الرقاب. الغبار الكثيف والوجوه العابسة لأفراد المليشيا كانت توحي بأن العبور يتطلب معجزة، أو صبراً يفوق طاقة البشر المتعبين من لظى الحرب وقسوتها.
▪ لم يطل انتظارنا حتى أقبل ثلاثة من عناصر المليشيا، يجرون خطى التكاسل والتعالي، والصلف يكسو ملامحهم الغبراء. أحاطوا بالبص، وصدرت أوامرهم بنزول جميع الركاب فوراً مع أمتعتهم. سادت حالة من الهرج والوجوم، وتحرك الجميع مطأطئي الرؤوس يحملون حقائبهم المتهالكة التي تحوي ما تبقى من حطام حياتهم المبعثرة، تحت نظرات الاحتقار والتهديد.
▪ تطلعتُ في وجوه أسرتي، فرأيت الخوف على ملامح أم الأولاد وهي تحاول إخفاء ذعرها خلف طيات ثوبها، تجمع عينيها على الأبناء كدجاجة تحمي فراخها، بينما تحول همس الركاب من حولنا إلى تضرع صامت يملأ جنبات البص المكتوم برائحة العرق. وأمرونا بغلاظة أن يصطف الرجال في مسار، والنساء “العوين” في مسار معاكس دون رحمة.
▪ ورغم أن تفتيش النساء كان أقل حدة، إلا أن مرارة المشهد كانت تكمن في الجانب الآخر؛ حيث واجه الرجال والشباب سيلاً من الاتهامات البااطة والإساءات العنصرية والجهوية البغيضة التي يقذفها عناصر المليشيا دون وازع من دين أو مروءة. كانت تلك اللحظات الفاصلة بين المسارين تمثل غاية التمزيق النفسي؛ أمهات وزوجات ينظرن بخوف والتفاتات مذعورة نحو مصير أولادهن ورجالهن، وكأن اللمسات الأخيرة للأيدي قد لا تتكرر.
▪ كان نصيب الشباب الذين يرافقوننا، والبالغ عددهم نحو خمسة عشر شاباً، الأوفر من العنت والتنكيل؛ إذ صبّ عليهم عناصر المليشيا جام غضبهم بأسئلة تعسفية واتهامات باطلة، وعانوا الأمرين في هذه الارتكازات، وكان من بين أولئك الضحايا نجلاي، الأكبر “عبد الخالق” وشقيقه. واجه أولئك الفتية مشقة بالغة وعدم تفهم لأسباب خروجهم من ولاية الجزيرة من قبل أفراد الارتكاز الأغبياء في تعاملهم الفج.
▪ لم تشفع لهم البطاقات الجامعية في إقناع الجنجويد بأنهم طلاب علم، خرجوا يبحثون عن بصيص أمل لمواصلة تعليمهم الذي أوقفت عقاربه الحرب المدمرة. تملكتني غصة الأبوة وأنا أراهم تحت وطأة التهديد، وعاجزاً عن بسط حمايتي لهم؛ فالسلطة هنا ليست للمنطق ولا للأبوة، بل لزناد أعمى يتحكم فيه جاهل. أما نحن، معشر الشيوخ والكهول، ممن يطيب للجنجويد منادتنا بعبارة “عمك” صراحة عند المقابلة، فقد كنا أقل مواجهة لأسئلتهم.
▪ عند كل محطة تفتيش، كان السؤال الموحد ينتظرنا بذات الصياغة والمضمون. يلتفت إليك أحدهم شزراً ويقول: “أنت يا عمك.. أبلداي؟”، و”أبلداي” في قاموسهم هي المفردة التي يطلقونها على كل من ينتمي للجيش أو يناصر حياضه، ثم يتبعونها فوراً بالتحقيق المقيت: “علاقتك شنو بالجيش؟”، لتصبح أسئلة التجريم جاهزة لإدانة كل من يقع تحت أيديهم. وساق إليّ القدر في ذلك التفتيش بارقة أمل أنقذت الموقف.
▪ إذ وقفت أمام فرد من المليشيا يبدو أنه حظي بنصيب من التعليم والمعرفة، وما أندرهم في تلك المجموعات المنفلتة. طالبني الرجل بإبراز هويتي لفحص بياناتي، فتحركت يدي نحو جيبي ببطء، والقلب يرتجف خوفاً من العواقب التي قد تعطل مسيرة الأسرة. ناولته بطاقتي الشخصية وفي دمي تسري خيفة عميقة ألا يستوعب عقله تفاصيلها، وخاصة مهنتي ومسقط رأسي داخل ربوع بلادي.
▪ يعني ذلك اعتقالي وتأخير الرحلة، إذ لم تكن الأسرة لتبرح موقعها قيد أنملة إن مسني سوء. وقفت أراقب تقاسيم وجهه وردة فعله وهو يقلب البطاقة بين يديه، وفجأة تبسم بخبث وسخرية، ثم رفع عينه نحوي قائلاً: “معرد وين يا أستاذ رمضان؟”. كانت تلك الكلمة تلخص استهزاءه بما اعتبره هروباً من مناطق سيطرة من أسماهم بـ “الأشاوس”. تجرعت الإهانة في صمت وثبات حذر يغطيني.
▪ أجبته بأن مستقبل الأولاد التعليمي هو الذي أجبرنا على خروج مر، بعد أن أمضوا عاماً كاملاً معطلين بين الخرطوم والجزيرة. مدّ إليّ البطاقة وهو يرسل نظرة ساخرة قائلاً: “هو فضل فيها تعليم تاني؟”، وددت لو حاججته وألقمته حجراً، لكن فوهة بندقيته المصوبة نحو صدري اختصرت نتيجة المناظرة، فآثرت سلامة النفس على سلامة المنطق، وتحرك البص بعد ساعة ونصف من العذاب والانتظار في الهجير.
▪ لم تدم الفرحة سوى ثوانٍ، إذ توقفنا بعد مائة متر فقط عند ارتكاز كوبري حنتوب، وهو الأشد عنفاً وبطشاً. صعد إلى متن البص ستة من جنود المليشيا المدججين بالبنادق، وشرعوا يتفرسون في وجوهنا بفظاظة وازدراء. احتجزونا هناك لأكثر من ساعة، واقتادوا ثلاثة شباب من الركاب بتهمة واهية هي الانتماء للاستخبارات العسكرية. وكانت المفارقة أن الشبهة استندت لارتدائهم الجلباب الأخضر الصوفي المعروف بكثرة في ريفنا.
▪ وجد أحد أفراد المليشيا من أبناء الولاية المتعاونين معهم صعوبة في شرح دلالة هذا الجلباب ورمزيته الدينية لأولئك الأغراب القادمين من أصقاع بعيدة، ممن لا يفقهون شيئاً عن طبيعة الجزيرة ومعاقل صوفيتها. بعد شد وجذب وتوتر كاد يعصف بالجميع، نجح المتعاون في إقناع المليشي المتعنت بعدم وجود صلة بين الجلباب والجيش، سانده في ذلك تدخل “ود بوش” الذكي لإنقاذ الموقف المتأزم في تلك اللحظات.
▪ صعد إلينا المليشي المتعاون مجدداً ليقدم اعتذاراً باهتاً عما بدر من ذلك “الأشوس”، وأتبع اعتذاره بجرعة سياسية يزعم أنها توعوية، محرضاً الركاب على ضرورة الضغط على الجيش لإيقاف الحرب، باعتبار أن السلام بات مطلباً شعبياً. بدت لي تلك الخطبة الممجوجة بمثابة إعلان مبكر لنهاية هذا الوباء السرطاني الذي نهش جسد وسط السودان في الخرطوم والجزيرة وسنار بأفعالهم البربرية الشنيعة والمرفوضة من المجتمع.
▪اضطرار أفراد المليشيا للحديث عن السلام وبؤس الحرب على أرصفة الارتكازات، لم يكن سوى انعكاس للمشهد السياسي الذي تبنته لاحقاً حاضنتهم المعروفة، للتغطية على جرائم السلب والنهب والانتهاكات التي يمارسونها نهاراً جهاراً ضد المدنيين العزل. تجاوزنا كوبري حنتوب أخيراً وكانت عقارب الساعة قد تخطت الثانية عشرة ظهراً، وانطلق بنا البص شرقاً ينهب الأرض عبر حي الملكية ببطء وتوجس.
▪ تتابعت من خلف نوافذنا قرى العباسية، كافوت، الرميلات، وقوز الرهيد نحو الفعج، ومنها انحرف الباص عبر طريق ترابي فرعي ليمر بقرية الكاهلي زيدان مسقط رأس “كيكل”، وعمارة أبو سن، قبل أن يعود للمسار الرئيسي لينتهي بنا المطاف عند مدخل الحديبة. كانت المسافة ما بين الكوبري إلى الحديبة ثلاثون كيلومتراً، قطعناها في ثلاث ساعات من القلق والترقب المضني.
▪ ثقل الانتظار ورعب المفاجآت الأمنية حوّلا الكيلومترات القليلة إلى دهر استنزف الأعصاب، وسط صمت مطبق خيّم على الركاب الذين استسلموا لمصائرهم مع كل هزة عنيفة من هزات البص فوق المسار الترابي الوعر. وكان القاسم المشترك بين هذه القرى هو انتشار الارتكازات، والتي بدت كخطة منظمة وموزعة الأدوار؛ حيث كانت الجباية وفرض الأموال بقوة السلاح هما الحاضر الأبرز في تفاصيل المشهد اليومي هناك.
▪ الغريب في الأمر أن هذه النقاط لم تكن تدار بواسطة المستنفرين أو المتعاونين المحليين من أبناء القرى، بل كانت القبضة بالكامل لعناصر المليشيا الوافدة من أصقاع بعيدة، يستعينون ببعض ضعاف النفوس كمرشدين ووشاة لا يملكون من أمرهم سوى إشارة الإصبع لإدانة الأبرياء وتحصيل الأموال بقوة السلاح. وصلنا لارتكاز الحديبية الأخير، وظننا أن الفرج قد اقترب وانتهت المأساة.
▪ انطوت عذابات اليوم مع آخر ذرات الغبار العالقة بالبص، وفجأة صعد أحد أفراد المليشيا، وبدأ يتفرس في الوجوه بوقاحة، وتوقف كثيراً أمام ابني “عبد الخالق”، وبعد أسئلة عبثية تنضح بالشك والاتهام المجاني، أمره بالنزول فوراً إلى مكتب الارتكاز للاشتباه في انتمائه للاستخبارات العسكرية. طال بقاؤه داخل ذلك المكتب، ومرت الدقائق كأنها سنوات تتآكل معها قواي النفسية الصابرة أمام جبروتهم وظلمهم.
▪ تجمدت الدماء في عروق أسرتي، ونظرتْ إليّ زوجتي نظرة كسيرة محملة بآلاف التساولات المرعبة. تحول البص إلى زنزانة من الصمت المذعور، ولم أعد أحتمل هذا Mوت البطيء على مقعدي؛ فلم أجد بداً من فتح باب البص والنزول بنفسي، حاملاً روحي على كفي، صوب أفراد المليشيا لاستجلاء الأمر ومواجهة المصير المجهول عند تلك “العريشة” المسماة مجازاً بالمكتب… فكان النزول.
نواصل