دكتور طاهر موسى الحسن يكتب: مصر وإيران والخليج: حين يصبح التوازن الإقليمي بديلاً عن الوصاية الأجنبية

5

 

 

 

قراءة في دلالات الموقف الإيراني من الوجود العسكري المصري في الخليج

 

في خضم التوترات المتصاعدة التي تشهدها منطقة الخليج والشرق الأوسط، وفي ظل حالة الاستقطاب الحاد بين الولايات المتحدة وإيران، برزت مؤخرًا مؤشرات سياسية بالغة الأهمية تستحق التوقف عندها، لعل أبرزها التصريحات الإيرانية التي أبدت تفهمًا، بل وترحيبًا ضمنيًا، بوجود القوات المصرية في منطقة الخليج، معتبرة أن هذا الوجود أفضل بكثير من استمرار الاعتماد على القوات الأمريكية أو الإسرائيلية.

هذه التصريحات، التي نقلتها وسائل إعلام دولية مثل قناة الجزيرة وBBC عربي، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تصريحات دبلوماسية عابرة، بل هي تعكس تحولًا مهمًا في الرؤية الإيرانية تجاه الدور المصري، كما تكشف عن ملامح إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي على أسس جديدة، يكون فيها أمن المنطقة مسؤولية دولها، لا القوى الأجنبية العابرة للحدود.

بحسب ما نقلته قناة الجزيرة عن دبلوماسي إيراني، فإن وجود القوات المصرية في الإمارات لم يكن أمرًا مفاجئًا لطهران، بل كان معلومًا لديها مسبقًا، وتم إبلاغها به رسميًا، مع تأكيد واضح على أن هذا الوجود ليس لأجل مواقف عدوانية . هذه النقطة وحدها تحمل دلالة استراتيجية عميقة؛ فهي تعني أن القاهرة لم تتحرك في إطار الاستفزاز أو التصعيد، بل ضمن ترتيبات إقليمية محسوبة، تحافظ على التوازن وتمنع الانفجار، وتؤكد أن مصر لا تتحرك بمنطق المغامرة، وإنما بمنطق الدولة المركزية التي تدرك وزنها وحدود مسؤولياتها.

كما أشارت ذات المصادر إلى أن الوجود العسكري المصري لا يقتصر على الإمارات فقط، بل يمتد إلى أربع دول خليجية، وهو ما يعكس حجم الثقة الخليجية في المؤسسة العسكرية المصرية، باعتبارها قوة عربية قادرة على الإسناد دون أن تتحول إلى أداة ابتزاز سياسي كما تفعل بعض القوى الدولية.

الأكثر أهمية في التصريحات الإيرانية، هو ما نُقل عن المسؤول الإيراني من أن “الأفضل أن تحل القوات المصرية محل القوات الأمريكية والإسرائيلية، لأن أمن المنطقة يجب أن يكون مسؤولية دول المنطقة نفسها، وليس قوى أجنبية تأتي من خارج الشرق الأوسط .

هذا التصريح في جوهره ليس مجرد مجاملة سياسية، بل هو اعتراف صريح بمركزية الدور المصري في معادلة الأمن العربي، وإقرار بأن القاهرة تظل بالنسبة لطهران طرفًا يمكن التعامل معه، لا خصمًا وجوديًا يجب مواجهته.

إن إيران، رغم خلافاتها التاريخية مع بعض العواصم العربية، تدرك أن مصر ليست مشروع هيمنة، بل دولة توازن. وهي تعرف أن وجود الجيش المصري في الخليج لا يستهدفها بالضرورة، بل يهدف إلى منع انهيار التوازن الاستراتيجي في المنطقة، وضبط إيقاع الصراع بحيث لا ينفلت إلى حرب شاملة.

وهذا يفسر لماذا تنظر طهران إلى الوجود المصري باعتباره عنصر استقرار، بينما ترى في الوجود الأمريكي والإسرائيلي عامل تفجير دائم للأزمات.

وفي السياق نفسه، أكد رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة، مجتبى فردوسي، في تصريحات لقناة BBC عربي، أن من حق مصر السيادي التعاون مع دول الخليج في إطار اتفاقيات الدفاع المشترك، طالما أن هذا التعاون لا يشارك في أي عدوان أمريكي أو إسرائيلي ضد إيران.

هذا التصريح يرسخ فكرة بالغة الأهمية، وهي أن إيران لا تعارض التعاون المصري الخليجي من حيث المبدأ، بل تعارض فقط أن يتحول هذا التعاون إلى منصة لاستهدافها ضمن مشاريع أمريكية أو إسرائيلية.

بمعنى آخر، فإن طهران تقبل بالدور المصري عندما يكون دورًا عربيًا مستقلاً، لا ذراعًا لمشروعات خارجية.

وهنا تظهر براعة الدبلوماسية المصرية، التي نجحت في الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الخليج، دون أن تغلق أبواب التفاهم مع إيران، وهو ما يمنح القاهرة مساحة حركة واسعة، ويعيد إليها جزءًا من دورها التاريخي كقوة توازن إقليمي.

وفي السياق ذاته، لا يمكن تجاهل ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال حول رفض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لطلب أمريكي يتعلق باستخدام القواعد والأجواء السعودية في عملية عسكرية ضد إيران، وهو ما ساهم في تجميد تلك العملية وتأجيلها.

هذه الإشارات مجتمعة توضح أن دول المنطقة بدأت بالفعل في إعادة تقييم علاقتها بالمظلة الأمريكية التقليدية، بعدما أصبح واضحًا أن كثيرًا من أزمات الشرق الأوسط لم تكن نتيجة غياب واشنطن، بل في أحيان كثيرة نتيجة حضورها المفرط.

لقد أدركت العواصم الكبرى في المنطقة أن الاستقرار لا يُبنى عبر استدعاء الخارج، بل عبر تفاهمات إقليمية تحفظ المصالح المشتركة وتمنع الانفجار.

ما يجري اليوم قد يكون بداية انتقال حقيقي من مرحلة الاعتماد الكامل على القوى الدولية، إلى مرحلة بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقلالًا.

فحين ترى إيران أن الجيش المصري أفضل من القوات الأمريكية، وحين ترفض السعودية الانخراط في مغامرات عسكرية خارج حساباتها الوطنية، وحين تتحرك مصر بمنطق التوازن لا الاستقطاب، فإننا أمام مشهد جديد يستحق البناء عليه.

إن الدفاع العربي المشترك لم يعد مجرد شعار سياسي، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة، خاصة في ظل الانكشاف الأمني الذي تعيشه المنطقة، والتحديات المتصاعدة من الخليج إلى البحر الأحمر.

إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تفاهم عابر بين مصر وإيران، بل هو مؤشر على نضج سياسي إقليمي بدأ يتشكل بعد سنوات طويلة من الفوضى والانقسام.

فالمنطقة لا تحتاج مزيدًا من القواعد الأجنبية، بل تحتاج مزيدًا من الثقة بين دولها.

ولا تحتاج مزيدًا من الحروب بالوكالة، بل تحتاج شجاعة القرار المستقل.

أما الذين ما زالوا يراهنون على التحالف مع المشروع الصهيوني باعتباره ضمانة أمن، فعليهم أن يدركوا أن التاريخ لا يرحم، وأن من يبتعد عن محيطه الإقليمي، قد يجد نفسه يومًا بلا سند حين تتغير الموازين.

إن أمن الخليج جزء من الأمن القومي العربي، ومصر حين تتحرك في هذا الإطار، فإنها لا تدافع فقط عن الخليج، بل عن مستقبل المنطقة كلها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.