عندما تصبح الإدارة فعلًا لا منصبًا… قراءة في تجربة مداوي بمحلية كسلا بقلم / فخري فركاوي 

8

 

 

في أزمنة الأزمات، لا تُختبر المؤسسات بالشعارات، بل بالرجال الذين يقفون في الميدان. وحين تضيق الموارد، وتتسع احتياجات الناس، يصبح المسؤول الحقيقي هو من يستطيع أن يدير الممكن، لا من يكتفي بشرح المستحيل.

هذه القاعدة يمكن قراءتها بوضوح في تجربة الأستاذ إدريس محمد علي مداوي، المدير التنفيذي لمحلية كسلا، التي تستحق التوقف عندها لا باعتبارها تجربة فردية فحسب، بل كنموذج إداري يعكس كيف يمكن للمسؤول المحلي أن يصنع فرقًا حقيقيًا حتى في ظل تعقيدات الواقع السوداني.

الإدارة المحلية ليست وظيفة مكتبية، بل تماس يومي مع حياة الناس. هي السوق قبل المكتب، والشارع قبل التقارير، وصحة الإنسان قبل الأرقام الرسمية. ولذلك فإن نجاح المدير التنفيذي لا يُقاس بعدد الاجتماعات التي يعقدها، بل بقدرته على تحويل الإدارة إلى أداة لحل المشكلات لا مجرد مؤسسة لإدارتها.

في محلية كسلا، كان واضحًا أن ملف تنظيم الأسواق لم يُنظر إليه باعتباره شأنًا روتينيًا، بل باعتباره جزءًا من معركة أكبر تتعلق بصحة الإنسان وكرامة المدينة. فالفوضى في الأسواق ليست مجرد خلل بصري، بل مدخل مباشر لتدهور البيئة العامة، وانتشار الملوثات، وإضعاف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

من هنا جاءت أهمية العمل على إعادة الانضباط إلى الأسواق، وتحسين البيئة الخدمية، والاهتمام بالإصحاح البيئي، ليس باعتبارها حملات موسمية، بل كجزء من رؤية مستمرة ترى أن النظافة ليست نشاطًا طارئًا، بل ثقافة مجتمع.

لكن ما يميز التجربة أكثر، هو أنها لم تُدار بعقلية السلطة، بل بعقلية الشراكة. فمع محدودية الموارد وضيق الإمكانات، كان من السهل اللجوء إلى خطاب الأعذار، لكن ما حدث كان مختلفًا؛ إذ تم التعامل مع الواقع بمنطق البحث عن البدائل، وكان الرهان الأكبر على المجتمع نفسه.

هنا برزت أهمية دعم المبادرات المجتمعية داخل الأحياء والأسواق، وتشجيع العمل الطوعي، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في معالجة القضايا البيئية والخدمية. لأن الإدارة الذكية تدرك أن المواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمة، بل شريك في صناعتها وحمايتها.

ولعل تجربة دعم مبادرة حماية للإصحاح البيئي والتنمية المستدامة تمثل نموذجًا واضحًا لهذا الفهم. فالمبادرة لم تُعامل كمجرد نشاط شبابي عابر، بل كمنصة يمكن البناء عليها لإحداث أثر مستدام في مجال الصحة البيئية وتغيير السلوك المجتمعي.

ومن خلال هذا الدعم، انتقلت المبادرة من العمل المحدود إلى مشروع أكثر اتساعًا، وصولًا إلى الدفع بفكرة المنهج المصاحب للتربية البيئية والتنمية المستدامة، وهو مشروع استراتيجي يتجاوز حدود النظافة إلى بناء وعي طويل المدى يبدأ من المدرسة وينعكس على المجتمع بأكمله.

وهنا تتضح نقطة مهمة: الإدارة الناجحة لا تُقاس فقط بما تنجزه اليوم، بل بما تؤسس له غدًا. فبناء الإنسان أهم من بناء الجدران، وتغيير السلوك أكثر أثرًا من الحلول المؤقتة.

ومن السمات اللافتة في هذه التجربة أيضًا، الحضور الميداني المستمر. فالمسؤول الذي يرى الواقع بعينه يختلف كثيرًا عن المسؤول الذي يقرأه في التقارير. المتابعة الليلية للأسواق، الاتصال المباشر بالموظفين عند رصد التقصير، والتدخل السريع لمعالجة الخلل، كلها مؤشرات على فهم مختلف لمعنى الإدارة العامة.

كما أن منح الإدارات التنفيذية مساحة لاتخاذ القرار دون تدخل مباشر في تفاصيل اختصاصاتها، يعكس فهمًا ناضجًا لفكرة القيادة المؤسسية، حيث النجاح لا يتحقق بالسيطرة الفردية، بل ببناء فريق قادر على تحمل المسؤولية.

الأهم من ذلك، أن الحزم لم يكن على حساب العدالة، ولا السلطة على حساب القانون. فتقبل النقد، وعدم استخدام النفوذ في الخصومات الشخصية، والاحتكام إلى المؤسسات، كلها تفاصيل صغيرة ظاهريًا، لكنها في الحقيقة تصنع الفارق بين مسؤول يدير منصبًا، وآخر يبني ثقة عامة.

وهنا يصبح السؤال أكبر من شخص واحد: لماذا تنجح بعض التجارب المحلية رغم ضعف الإمكانات، بينما تتعثر أخرى رغم توفر الموارد؟

الإجابة غالبًا لا تكمن في المال وحده، بل في فلسفة الإدارة نفسها. حين يكون المسؤول قريبًا من الناس، مؤمنًا بالشراكة، حاضرًا في الميدان، ومنحازًا للمصلحة العامة، فإن الإمكانات المحدودة قد تصنع نتائج كبيرة.

تجربة إدريس مداوي ليست معصومة من النقد، ولا يُراد لها أن تُقدَّم كصورة مثالية مطلقة، لكنها تفتح بابًا مهمًا للحديث عن نوع المسؤول الذي تحتاجه البلاد اليوم؛ مسؤول يفهم أن الإدارة ليست نفوذًا، بل خدمة، وأن الإصلاح يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي يعيشها المواطن كل يوم.

في مرحلة ما بعد الحرب، ومع الحاجة الملحة لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، تصبح مثل هذه النماذج أكثر أهمية من أي وقت مضى. لأن إعادة الإعمار لا تبدأ من الأسمنت وحده، بل من استعادة الإيمان بأن الدولة يمكن أن تعمل لصالح الناس.

وحين تصبح الإدارة فعلًا لا منصبًا، يصبح الإصلاح ممكنًا… حتى في أصعب الظروف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.