التربية البيئية وصناعة الوعي الوطني: كسلا تزرع المستقبل من الجذور بقلم: د. طاهر موسى الحسن

3

 

 

في خضم التحديات الكبرى التي يواجهها السودان، ما بين معركة الكرامة واستحقاقات إعادة بناء الدولة، تبرز بعض المبادرات التي لا يمكن النظر إليها باعتبارها أنشطة عابرة أو مناسبات بروتوكولية، بل باعتبارها مشاريع تأسيسية ترسم ملامح السودان القادم. ومن بين هذه المبادرات المهمة، يأتي اللقاء التفاكري للمنهج المصاحب للتربية البيئية والتنمية المستدامة بولاية كسلا، باعتباره خطوة استراتيجية تستهدف بناء الإنسان قبل بناء العمران، وصناعة الوعي قبل صناعة القرار.
إن الحديث عن التربية البيئية اليوم لم يعد ترفًا فكريًا أو نشاطًا هامشيًا، بل أصبح ضرورة وطنية وأمنًا قوميًا في حد ذاته، لأن الأمم لا تنهض فقط بالسلاح، وإنما تنهض أيضًا بالعقل الواعي، والسلوك المسؤول، والانتماء الحقيقي للأرض والموارد والمجتمع.
لقد أحسنت ولاية كسلا، بقيادة واليها المكلف اللواء ركن معاش الصادق محمد الأزرق، حين أولت هذا المشروع اهتمامًا خاصًا، ودعمت قيام هذا اللقاء التفاكري الذي يمثل نواة حقيقية لمشروع وطني كبير. فالرجل الذي عرفه الناس قائدًا ميدانيًا حاسمًا في ملفات البنية التحتية ودعم معركة الكرامة، يثبت اليوم أنه يحمل رؤية أوسع تتجاوز إدارة اللحظة إلى صناعة المستقبل، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من المدرسة، ومن الطفل، ومن غرس القيم الوطنية والبيئية في النفوس منذ الصغر.
لقد ظل والي كسلا حاضرًا في كل الملفات الكبرى، من دعم القوات المسلحة والقوافل الوطنية، إلى مشاريع الطرق والخدمات، واليوم يضع بصمته في ملف لا يقل أهمية، وهو ملف التربية البيئية والتنمية المستدامة، لأن بناء الوطن بعد الحرب لن يكون فقط بإزالة آثار الدمار، وإنما ببناء جيل جديد يعرف كيف يحافظ على وطنه، ويحسن إدارة موارده، ويؤمن بأن النظافة والانضباط والوعي البيئي جزء أصيل من الوطنية.
ولا يفوتنا هنا أن نشيد بالدور الكبير الذي يقوم به وزير التربية والتوجيه بولاية كسلا الأستاذ عثمان عمر عثمان، الذي تعامل مع هذا المشروع بعقلية رجل الدولة لا بعقلية الموظف التنفيذي. فقد أدرك أن المدرسة ليست مكانًا لتلقين المناهج فقط، بل هي مصنع الشخصية الوطنية، ومنصة صناعة المواطن الصالح. ومن هنا جاءت أهمية المنهج المصاحب، الذي يربط التعليم بالحياة، ويربط الطالب بقضايا مجتمعه، ويجعله شريكًا في صناعة الحلول لا مجرد متلقٍ للمعلومة.
إن التربية البيئية ليست مجرد حديث عن النظافة أو التشجير أو التخلص من النفايات، بل هي فلسفة متكاملة تقوم على احترام المكان، وحسن استغلال الموارد، وترسيخ مفاهيم المسؤولية الجماعية، والانضباط المجتمعي، والعمل التطوعي، وكلها قيم يحتاجها السودان بشدة في هذه المرحلة.
وإذا أردنا أن نقرأ هذه المبادرة بصورة أعمق، فإنها تمثل أيضًا أحد أهم أدوات مقاومة آثار الحرب نفسها، لأن الحروب لا تدمر المباني فقط، بل تترك آثارًا خطيرة على الوعي الجمعي، وعلى سلوك الأجيال، وعلى علاقتهم بالمجتمع والدولة. ومن هنا يصبح بناء الوعي البيئي جزءًا من مشروع التعافي الوطني، وإعادة بناء النسيج الاجتماعي، وترميم العلاقة بين المواطن ووطنه.
إن المقاومة الشعبية، وهي تخوض معركة الدفاع عن الدولة والهوية الوطنية، ترى في مثل هذه المبادرات سندًا حقيقيًا لمعركة الوعي. فالمعركة ليست فقط في الميدان العسكري، بل هناك معركة أخرى لا تقل أهمية، وهي معركة حماية العقول من الجهل، وحماية الأجيال من الانفصال عن قضايا وطنها.
ومن هذا المنطلق، فإن المقاومة الشعبية بولاية كسلا تنظر بعين التقدير والاحترام إلى هذا المشروع، وتعتبره خطوة مباركة تستحق الدعم الكامل، لأنه يؤسس لجيل أكثر وعيًا بقضايا وطنه، وأكثر إدراكًا لمسؤولياته تجاه المجتمع والدولة والبيئة. فالأوطان لا تُحمى فقط بالبندقية، وإنما تُحمى أيضًا بالفكرة، وبالمدرسة، وبالمعلم، وبالمنهج الذي يصنع الإنسان.
ولا غرابة في أن تكون كسلا سباقة في مثل هذه المبادرات، فهي الولاية التي كانت في مقدمة الصفوف في دعم القوات المسلحة، وفي تسيير القوافل، وفي إسناد معركة الكرامة، وهي اليوم تؤكد مرة أخرى أنها أيضًا ستكون في مقدمة الولايات الداعمة لمعركة التنمية، ومعركة بناء سودان ما بعد الحرب.
فأهل كسلا هم أهل المبادرات، وأهل النجدة، وأصحاب الحس الوطني العالي، وقد أثبتوا في كل المحطات أنهم لا ينتظرون التوجيه بقدر ما يبادرون بالفعل. وإذا كانوا قد وقفوا بالأمس مع الجيش دفاعًا عن الوطن، فإنهم اليوم يقفون مع التعليم والتربية والتنمية دفاعًا عن المستقبل.
إن السودان الذي نحلم به بعد الحرب لن يُبنى فقط بالمؤتمرات السياسية، بل سيُبنى في الفصول الدراسية، وفي حملات النظافة، وفي غرس الأشجار، وفي وعي طفل يعرف أن إلقاء القمامة في الشارع ليس مجرد سلوك خاطئ، بل خيانة صغيرة لفكرة الوطن.
لهذا، فإن اللقاء التفاكري للمنهج المصاحب للتربية البيئية والتنمية المستدامة ليس مجرد فعالية تعليمية، بل هو إعلان مبكر بأن كسلا بدأت فعليًا في كتابة ملامح السودان الجديد… سودان الوعي، والانتماء، والتنمية، والدولة التي تُبنى من الجذور لا من الشعارات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.