دم الشهداء لا يُرهب الرجال: استهداف أسرة أبو عاقلة كيكل ومعركة كسر الإرادة بقلم: د. طاهر موسى الحسن

7

 

 

 

في واحدة من أكثر الرسائل الدموية التي تكشف طبيعة الحرب التي تخوضها مليشيا الدعم السريع ضد الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، جاء استهداف منزل قائد قوات درع السودان اللواء أبو عاقلة كيكل بقرية الكاهلي زيدان شرقي ولاية الجزيرة، والذي أسفر عنمقتل شقيقه عزام كيكل وعدد من أفراد أسرته، بينهم عدد من الأطفال والنساء، وعدد من المقربين، ليؤكد مرة أخرى أن هذه المليشيا لا تعرف حدودًا بين المعركة العسكرية والانتقام الشخصي، ولا تفرق بين الميدان والبيوت الآمنة.

هذه الحادثة ليست مجرد تطور أمني عابر، بل تمثل تحولًا خطيرًا في طبيعة الاستهداف، حيث انتقلت المليشيا من مواجهة الخصوم في ساحات القتال إلى ضرب الحواضن الاجتماعية والرمزية للقيادات العسكرية التي انحازت للدولة الوطنية، وفي مقدمتهم اللواء أبو عاقلة كيكل، الذي أصبح منذ انشقاقه عن الدعم السريع وانضمامه إلى صفوف القوات المسلحة أحد أكثر الأسماء إزعاجًا للمليشيا.

كيكل…

اللواء أبو عاقلة كيكل ليس اسمًا عاديًا في هذه الحرب، بل يمثل حالة خاصة في المشهد العسكري والسياسي. فهو أحد أبرز القادة الذين كانوا ضمن منظومة الدعم السريع قبل أن يعلن انحيازه الكامل للقوات المسلحة السودانية، وهو ما شكّل ضربة نفسية وعسكرية كبيرة للمليشيا، خاصة في ولاية الجزيرة ومحيط الوسط السوداني.

هذا التحول لم يكن مجرد انتقال فردي، بل حمل معه رمزية كبيرة، لأن كيكل يعرف بنية الدعم السريع من الداخل، ويدرك نقاط قوتها وضعفها، كما أن انضمامه للجيش شجّع آخرين على مراجعة مواقفهم. ولهذا ظل هدفًا مباشرًا لحملات التشويه والاستهداف العسكري والسياسي.

استهداف منزل أسرته بطائرة مسيّرة يحمل أكثر من رسالة.

* الرسالة الأولى هي الانتقام، وهي رسالة موجهة لكل من يفكر في الانشقاق عن المليشيا، مفادها أن الثمن لن يكون شخصيًا فقط، بل سيمتد إلى الأسرة والقبيلة والمحيط الاجتماعي.

* أما الرسالة الثانية فهي محاولة كسر المعنويات، عبر ضرب القيادات من داخلها العاطفي والإنساني، لأن استهداف الأسرة غالبًا ما يكون أشد وقعًا من استهداف الميدان نفسه.

* والرسالة الثالثة هي اعتراف غير مباشر من المليشيا بخطورة كيكل ودوره، فحين تعجز عن كسره عسكريًا، تلجأ إلى ضرب دائرته الأسرية.

لكن التاريخ السوداني يقول بوضوح إن مثل هذه الأساليب لا تُضعف الرجال، بل تزيدهم صلابة، ولا تُنهي المعركة بل توسّع دائرة الخصومة.

الدعم السريع يكرر الخطأ ذاته في كل مرة: يظن أن الإرهاب يصنع الولاء، وأن الدم يُنتج الخضوع. لكن الوقائع أثبتت العكس.

كلما توسعت المليشيا في استهداف المدنيين والأسر والرموز الاجتماعية، فقدت ما تبقى لها من غطاء سياسي أو اجتماعي، وتحولت أكثر إلى كيان معزول قائم على الرعب لا على المشروعية.

استهداف أسرة كيكل لن يُضعف قوات درع السودان، بل سيمنحها دافعًا إضافيًا للمواجهة، ولن يدفع الناس إلى الخوف، بل إلى مزيد من القناعة بأن هذه الحرب لم تعد فقط معركة سلطة، بل معركة بقاء دولة.

ولاية الجزيرة تحديدًا تعرف جيدًا ماذا فعلت المليشيا، من انتهاكات وتهجير وقتل ونهب، ولذلك فإن مثل هذه العمليات لا تُقرأ هناك كضربات عسكرية، بل كإعلان جديد بأن مشروع الدعم السريع لا يمكن أن يتعايش مع المجتمع السوداني.

الخطأ الأكبر أن يُنظر إلى ما حدث باعتباره قضية تخص أبو عاقلة كيكل وحده. الحقيقة أن الأمر أكبر من ذلك بكثير.

حين تُستهدف أسرة قائد انحاز للدولة، فإن الرسالة موجهة لكل من يفكر في الانحياز للوطن. وحين يُقتل الأشقاء داخل منازلهم، فإن القضية تصبح قضية مجتمع كامل، لا قضية فرد.

ولهذا فإن الرد الحقيقي لا يكون فقط عسكريًا، بل سياسيًا ومجتمعيًا أيضًا، عبر تثبيت فكرة أن الدولة لا تترك أبناءها، وأن كل من يقف في صف الوطن لن يكون وحيدًا.

رحيل عزام كيكل ومنصور كيكل وعدد من أفراد الأسرة ليس مجرد خبر حزين في شريط الأخبار، بل فصل جديد من فصول الحرب المفتوحة بين مشروع الدولة ومشروع المليشيا.

لقد أرادت المليشيا أن ترسل رسالة خوف، لكنها في الحقيقة أرسلت دليل إدانة جديد ضد نفسها، وأكدت مرة أخرى أنها لا تملك مشروعًا سوى الخراب.

أما السودان، فقد تعلّم من تاريخه الطويل أن الدول لا تسقط بالمسيرات، ولا تُهزم بالإرهاب، وأن الدم الذي يُراق دفاعًا عن الوطن لا يضيع، بل يتحول إلى وقود للمعركة الكبرى.

وإذا كانت المليشيا تراهن على كسر الرجال عبر استهداف أسرهم، فإنها لا تعرف السودان جيدًا.

فهنا… الشهداء لا يُطفئون المعركة، بل يشعلونها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.