من كسلا تبدأ الحكاية… والي الولاية يضع حجر الأساس لسودان المستقبل بقلم: فخري فركاوي
لم يكن اللقاء التفاكري للمنهج المصاحب للتربية البيئية والتنمية المستدامة الذي شهدته ولاية كسلا مجرد فعالية رسمية عابرة أو مناسبة بروتوكولية تُضاف إلى سجل الأنشطة الحكومية، بل كان إعلانًا واضحًا بأن الولاية بدأت تنظر إلى البيئة بوصفها قضية بناء إنسان ومستقبل، لا مجرد حملات نظافة موسمية أو شعارات تُرفع في المناسبات.
حين يجتمع والي الولاية اللواء معاش الصادق محمد الأزرق، ووزير التربية والتوجيه الأستاذ عثمان عمر عثمان، ومفوض العون الانساني الاستاذ ادريس علي محمد والجامعات، والقيادات الأهلية، والمنظمات، والمعلمون، وأولياء الأمور، تحت سقف واحد من أجل قضية البيئة، فإن الرسالة هنا أكبر من مجرد اجتماع؛ إنها رسالة تقول إن بناء المجتمع يبدأ من المدرسة، وإن التنمية الحقيقية تبدأ من تغيير السلوك.
لقد ظللنا لسنوات طويلة نعالج نتائج المشكلة دون أن نقترب من جذورها. ننظم حملات نظافة، ثم تعود النفايات. نطلق برامج توعية، ثم يتراجع الأثر. نصرف الموارد على المعالجة، بينما الأصل هو الوقاية. وهنا تكمن عبقرية فكرة المنهج المصاحب للتربية البيئية؛ فهو لا يعالج المظهر فقط، بل يذهب مباشرة إلى أصل القضية: الإنسان.
المنهج المصاحب لا يعني إضافة مادة جديدة إلى دفتر الطالب، ولا زيادة عبء على المعلم، بل يعني صناعة وعي جديد، وتحويل المعرفة إلى ممارسة يومية. فالطفل الذي يتعلم احترام الماء، والمحافظة على النظافة، وزراعة الشجرة، وعدم رمي النفايات، لا يصبح فقط طالبًا جيدًا، بل مواطنًا مسؤولًا، وهذا هو جوهر التنمية المستدامة.
ولعل اللحظة الأكثر رمزية وتأثيرًا في هذا اللقاء كانت توقيع السيد الوالي على ميثاق ولاية كسلا للتربية البيئية والتنمية المستدامة، ذلك الميثاق الذي حملته أيادي أطفال المدارس قبل أن يصل إلى يد الوالي. لم يكن ذلك مشهدًا احتفاليًا فقط، بل كان رسالة عميقة المعنى: أن هذا المشروع يُكتب من أجل هؤلاء الأطفال، وأن المستقبل الحقيقي يبدأ من أعينهم الصغيرة وأحلامهم الكبيرة.
إن توقيع الميثاق لم يكن إجراءً شكليًا، بل كان إعلان التزام سياسي وأخلاقي ومجتمعي تجاه مشروع طويل الأمد، يؤسس لثقافة جديدة في الولاية. الميثاق في جوهره ليس ورقة تُوقّع، بل عهدٌ بأن تتحول البيئة من ملف هامشي إلى قضية مركزية في التعليم والتنمية.
أهمية هذا الميثاق تكمن في أنه يوحّد الرؤية بين الدولة والمجتمع، ويجعل من المنهج المصاحب مشروعًا رسميًا ومجتمعيًا في آنٍ واحد، ويؤكد أن المسؤولية ليست مسؤولية لجنة أو وزارة وحدها، بل مسؤولية مجتمع كامل، من الأسرة إلى المدرسة، ومن المسؤول إلى المواطن.
لقد كان واضحًا في حديث الوالي أن الأمر لا يتعلق بمشروع قصير المدى، بل برؤية مستقبلية تستهدف بناء جيل جديد يفهم معنى البيئة، ويتعامل معها بوصفها جزءًا من هويته الوطنية. كما كان واضحًا في حديث وزير التربية أن التعليم لا يمكن أن ينفصل عن قضايا المجتمع، وأن البيئة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.
وإن الإنصاف يقتضي القول إن اللواء معاش الصادق محمد الأزرق قد بدأ بالفعل في كتابة اسمه في سجل التنمية والتطور في السودان، لا من خلال الشعارات، بل عبر اتخاذ خطوة عملية وشجاعة نحو بناء سودان ما بعد الحرب. فالمشروعات الكبرى لا تُقاس فقط بما يُنجز في الحاضر، بل بما تتركه من أثر في المستقبل، وهذا المنهج يمثل أحد تلك المشروعات التي ستتذكرها الأجيال القادمة بوصفها بداية حقيقية نحو سودان أكثر وعيًا واستدامة.
إن دعم الوالي لهذا المشروع، وحرصه على أن ينتقل من فكرة إلى واقع، يعكس فهمًا عميقًا بأن التنمية لا تبدأ من البنى التحتية وحدها، بل من بناء الإنسان نفسه. وهذه الرؤية هي التي تمنح أي مشروع قيمته الحقيقية، وتجعل من صاحبه شريكًا في صناعة المستقبل لا مجرد مسؤول عابر في الزمن.
أما ما يزيد هذا المشروع قوة، فهو احتضان جامعة العلوم الصحية وجامعة كسلا والجهات العلمية له، بما يضمن أن يُبنى على أساس علمي لا على اجتهادات عابرة، وأن يتحول من فكرة إلى منهج قابل للتطبيق والقياس والتطوير.
إن ولاية كسلا اليوم لا تضع منهجًا جديدًا فقط، بل تكتب ملامح مرحلة جديدة، يكون فيها التعليم أداة لتغيير المجتمع، وتكون فيها البيئة جزءًا من مشروع النهضة لا هامشًا له.
والحقيقة التي يجب أن ندركها جميعًا هي أن التنمية لا تبدأ من الأسمنت والطرق وحدها، بل تبدأ من الإنسان. وإذا نجحنا في بناء إنسان واعٍ ببيئته، مسؤول عن مجتمعه، مدرك لقيمة موارده، فإننا نكون قد وضعنا أول حجر حقيقي في بناء سودان ما بعد الحرب.
اللقاء التفاكري انتهى، لكن المعركة الحقيقية بدأت الآن؛ معركة التنفيذ، والاستمرار، والصبر على مشروع لا تُقاس نتائجه بالأيام، بل بالأجيال.
وهنا فقط، يمكن أن نقول إن كسلا لم تنظّم لقاءً… بل بدأت كتابة مستقبل جديد.