وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي … يكتب: بين زرادشت وحكومة كامل إدريس…
في توقيت تبدو فيه القرارات الاقتصادية محاولات لاحتواء تداعيات الحرب، أعلنت الحكومة السودانية حظر استيراد 46 سلعة مختلفة، الخطوة قُدِّمت باعتبارها جزءًا من سياسة لترشيد الواردات، ودعم الإنتاج المحلي، وكبح الضغط على النقد الأجنبي. لكن ما يبدو إجراءً اقتصاديا، يتحول من زاوية اخري إلى سؤال سياسي واجتماعي أكثر الحاحا : هل نحن أمام محاولة لضبط السوق، أم أمام اختبار لعلاقة الدولة بالمجتمع ؟
من بين تفاصيل القرار، التي شملت سلعًا استهلاكية يومية مثل بعض المنتجات الغذائية، وصولًا إلى مستلزمات كمالية اعتادها الناس، يتبدى أن الأمر لا يتعلق فقط بحسابات الميزان التجاري أو إدارة الطلب على الدولار، بل بإعادة تعريف ما هو “ضروري” وما هو “ثانوي” في حياة مجتمع ظل يعيش تحت خط الفقر وضغط اقتصادي ومعيشي معقد. وهنا تبدأ السياسة في مغادرة التحليل، لتدخل منطقة السلوك البشري.
من هذه الزاوية، لا يعود القرار الاقتصادي مجرد نص إجرائي، بل يصبح رسالة ضمنية إلى المجتمع حول كيفية العيش، وما يجب الاستغناء عنه، وما ينبغي إعادة ترتيبه في سلم الاحتياجات. غير أن هذه الرسالة لا تُستقبل دائمًا كما تُرسل. فالمجتمع لا يتلقى السياسات كمتلقٍ سلبي، بل يعيد تفسيرها وفق خبرته مع الدولة، ومع السوق، ومع تاريخ من الأزمات.
هنا استُحضر فلسفة نيتشه عبر كتابه “هكذا تكلم زرادشت” ، فإن المسألة لا تتعلق بسلطة القرار بقدر ما تتعلق بسلطة القيم التي تحكم السلوك. في عالم يفقد فيه الناس ثقتهم في ثبات المعايير، لا تعود القرارات قادرة على تشكيل الواقع ما لم تلامس ما هو أكبر من ذلك : منظومة الثقة والطمأنينة.
فالدولار في السياق السوداني، لم يعد مجرد عملة، بل تحول إلى تعبير عن يقين مفقود، وعن رغبة جماعية في الاحتماء من تقلبات الحياة والمعاش .
من هذه الزاوية، يمكن فهم الحظر، كمحاولة لإعادة ضبط إيقاع المجتمع مع الدولة. لكن الإشكال أن السلوك الاقتصادي لا يستجيب للأوامر بقدر ما يستجيب للحوافز والتوقعات. فإذا شعر المواطن أن المستقبل أكثر غموضًا، فإن سلوكه سيتجه تلقائيًا نحو التحوط، لا نحو الامتثال. وإذا شعر التاجر أن القواعد قابلة للالتفاف، فإن السوق سيتجاوز هذه الإجراءات.
هنا تبرز المفارقة : الدولة تحاول تقليص الطلب على النقد الأجنبي عبر تقليص الواردات، بينما قد يدفع القلق إلى زيادة الطلب على الدولار باعتباره ملاذًا أمانًا. بهذا يصبح القرار جزءًا من معادلة نفسية بقدر ما هو اقتصادي، حيث تلعب الثقة دورًا لا يقل أهمية عن السياسة النقدية.
لذلك القرار يكشف عن توتر أوسع بين منطقين: منطق الدولة التي تسعى إلى فرض النظام عبر أدوات تنظيمية عاجلة، ومنطق مجتمع يعيد إنتاج سلوكه عبر شبكات معقدة من الحاجة والخبرة والتوقع. وبين هذين المنطقين، لا يحدث الاصطدام في الاجراءات الرسمية، بل في الأسواق اليومية حيث تُختبر القرارات في لحظة التطبيق، لا في لحظة الإعلان.
إن أخطر ما في مثل هذه السياسات، ما تكشفه عن حدود الفعل الاقتصادي للدولة. فالحظر قد ينجح مؤقتًا في تخفيف الضغط على النقد الأجنبي، لكنه لا يعالج جذور المشكلة إذا بقيت منظومة الإنتاج ضعيفة، والثقة مهتزة، والبدائل المحلية غير قادرة على ملء الفراغ. عندها يتحول القرار من أداة إصلاح إلى إجراء يختبر صبر المجتمع أكثر من تغير الواقع الاقتصادي.
في هذا السياق، يصبح عنوان “بين زرادشت وحكومة كامل إدريس… كأنما الدولة تختبر سلوك المجتمع” وهو بذلك يعد توصيف لحالة متجذرة : دولة تحاول إعادة تشكيل السلوك و السوق عبر السياسة الاقتصادية، ومجتمع يعيد اختبار الدولة عبر رد فعله اليومي على تلك السياسات المفاجئة . وبين الاختبارين، تتحدد المسافة بين القرار وفعاليته.
هذا وبحسب #وجه_الحقيقة، لا يبدو قرار حظر استيراد 46 سلعة مجرد إجراء اقتصادي، بل لحظة اختبار حقيقية لقدرة الدولة على تحويل قراراتها إلى ثقة لدى مواطنيها، لا إلى مزيد من القلق والخذلان، وعلى جعل السوق شريكًا في الاستقرار لا ساحةً لإعادة إنتاج الاضطراب والفوضى.
إن ما ينتظره الناس اليوم لمعالجة تداعيات الحرب ليس تشددًا في الحظر ولا توسعًا في القوائم، بل وضوحًا في الرؤية، وعدالة في التطبيق، وبدائل حقيقية تجعل الاختيار ممكنًا لا مفروضًا. وحينها فقط يمكن للقرار أن يتحول من نص إجرائي مقيد إلى أثر محسوس يعيشه الناس.
دمتم بخير وعافية.
الإربعاء 29 أبريل2026م Shglawi55@gmail.c