جدة وإعادة ضبط المعادلة: البرهان وبن سلمان بين ضرورات الحرب ومقتضيات الشراكة الاستراتيجية بقلم: د. طاهر موسى الحسن

0 1

 

 

 

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى مدينة جدة ولقاؤه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لتؤكد أن السودان لم يعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل بات محوراً في معادلات الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة التي تطال البحر الأحمر وممرات الملاحة الدولية.

هذه الزيارة، التي اتسمت بطابع غير معلن في تفاصيلها، لم تكن لقاءً بروتوكولياً عابراً، بل قمة استراتيجية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، ومع انعقاد مؤتمر برلين الأخير الذي تجاهل الحكومة السودانية، في سابقة تعكس خللاً واضحاً في مقاربة بعض القوى الدولية للأزمة السودانية.

قراءة التوقيت تكشف أن الزيارة لم تكن خياراً، بل ضرورة فرضتها جملة من التطورات، من بينها ما أثير حول تعليق صفقة تسليح محتملة بين السودان وباكستان، وفق ما أوردته تقارير إعلامية دولية، في ظل ضغوط إقليمية معقدة. وهو ما يعكس حجم التشابك بين القرار العسكري السوداني والتوازنات الإقليمية، ويؤكد أن معركة السودان لم تعد معزولة عن حسابات القوى الكبرى وعليه يمكن القول إن أي جيش يخوض حرباً وجودية، كما هو حال قواتنا المسلحة في مواجهتها لتمرد مليشيا الدعم السريع، يحتاج إلى عمق استراتيجي سياسي وعسكري. وهذا ما سعى إليه البرهان من خلال هذه الزيارة، عبر تثبيت شراكة السودان مع المملكة العربية السعودية، بوصفها دولة محورية في الإقليم، وصاحبة تأثير مباشر في ملفات الأمن والطاقة والتحالفات.

اللقاء بين الجانبين تناول، وفق البيانات الرسمية، مسار العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها، إلى جانب تطورات الأوضاع في السودان. غير أن القراءة التحليلية تكشف أن جدول الأعمال كان أعمق من ذلك بكثير، حيث تصدرت أربعة ملفات رئيسية المشهد.

أول هذه الملفات كان البعد العسكري، وعلى رأسه مسألة التسليح، التي تمثل عصب المعركة بالنسبة للجيش السوداني. فالحرب الحالية ليست مجرد مواجهة تقليدية، بل صراع مع مليشيا مدعومة بموارد خارجية وشبكات إمداد معقدة، ما يجعل تأمين احتياجات الجيش مسألة سيادية لا تقبل المساومة. وفي هذا السياق تبدو الرياض حريصة على تحقيق توازن دقيق بين دعم الجيش السوداني والحفاظ على استقرار الإقليم، دون الانزلاق إلى مواجهات بالوكالة.

الملف الثاني تمثل في التعاون الاقتصادي، حيث تشير المعطيات إلى ترتيبات لعقد منتدى استثماري سوداني سعودي خلال الفترة المقبلة، بهدف معالجة التحديات التي تواجه الاقتصاد السوداني، خاصة في ما يتعلق بالتحويلات المالية والقطاع المصرفي. وهذا يعكس إدراكاً متزايداً بأن كسب الحرب لا يكتمل دون تأسيس قاعدة اقتصادية صلبة تدعم الاستقرار.

أما الملف الثالث، فكان أمن البحر الأحمر، وهو ملف بالغ الحساسية في ظل التوترات الإقليمية الأخيرة. وقد أكد البرهان بوضوح أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن السودان، وهي رسالة تعكس وعياً استراتيجياً بطبيعة الترابط بين ضفتي البحر الأحمر، وتؤكد أن الجيش السوداني هو الشريك الطبيعي في تأمين هذا الممر الحيوي، في مواجهة أي تهديدات، سواء كانت من قوى إقليمية أو من جماعات غير نظامية.

الملف الرابع تناول مسار الحل السياسي، حيث تظل المملكة العربية السعودية لاعباً رئيسياً في جهود الوساطة منذ اندلاع الأزمة، عبر شراكاتها مع الولايات المتحدة ودول الإقليم. غير أن التجربة أثبتت أن أي عملية سياسية لا تنطلق من الاعتراف بشرعية الدولة السودانية ومؤسساتها، وعلى رأسها القوات المسلحة، محكوم عليها بالفشل.

الزيارة حملت في طياتها رسائل سياسية واضحة. أولها أن الجيش السوداني ليس معزولاً، وأن لديه حلفاء يدركون خطورة ما يجري في السودان. وثانيها أن أي محاولة لتجاوز الدولة السودانية، كما حدث في بعض المؤتمرات الدولية، لن تنتج حلولاً حقيقية. أما الرسالة الثالثة، فهي أن السودان بصدد إعادة تموضعه ضمن محور إقليمي أكثر وضوحاً، يقوم على حماية الدولة الوطنية ومؤسساتها.

في المقابل، لا يمكن إغفال تعقيدات المشهد الإقليمي، خاصة في ظل تباين المواقف داخل الخليج العربي تجاه الأزمة السودانية. فبينما تدعم بعض الدول القوات المسلحة بشكل واضح، هناك أطرافاً أخرى تدعم المليشيا المتمردة، (وهو ما تقوم به دويلة الشر) ما يعكس صراع نفوذ يتجاوز حدود السودان.

من منظور عسكري واستراتيجي، فإن المرحلة المقبلة ستتحدد ملامحها بناءً على مخرجات هذه الزيارة. فإذا نجحت في تعزيز الدعم السياسي والعسكري للجيش، فقد نشهد تحولاً في ميزان القوى على الأرض. أما إذا ظلت في إطار التفاهمات العامة دون ترجمة عملية، فإن الحرب قد تطول، مع ما يحمله ذلك من كلفة إنسانية وسياسية باهظة.

في المحصلة، يمكن القول إن قمة جدة لم تكن مجرد لقاء ثنائي، بل محطة مفصلية في مسار الحرب وفي إعادة تشكيل التحالفات. فالسعودية تثبت مرة أخرى أنها لاعب إقليمي محوري يسعى لتحقيق التوازن بين مصالحه الاستراتيجية ودعم حلفائه، بينما يؤكد السودان، عبر قيادته العسكرية، أنه ماضٍ في معركة استعادة الدولة، مدعوماً بإرادة داخلية وشراكات إقليمية.

ويبقى السؤال الأهم: هل تُترجم هذه الشراكة إلى واقع عملي يغير موازين المعركة، أم تظل رهينة الحسابات الإقليمية المعقدة؟

الإجابة لن تُكتب في البيانات، بل في الميدان.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.