انتصارات الجيش في كردفان.. رسالة إلى العالم قبل المليشيا د. طاهر موسى الحسن
في السابع عشر من أبريل 2026، أعلن الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية عن تنفيذ عمليات تمشيط واسعة النطاق في محور شمال كردفان، شملت مناطق كازقيل وشواية والحمادي والديبيبات، وأسفرت عن تكبيد مليشيا الدعم السريع الإرهابية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وتدمير عدد من آلياتها القتالية، مما أدى إلى انهيار وتشتت عناصرها وفرار فلولها تحت ضربات القوات المسلحة. هذا البيان العسكري، الذي يتحدث بلغة الثبات والانتصار، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها إقليم كردفان، بل والمنطقة بأسرها. فما يجري اليوم في سهول كردفان هو معركة فاصلة، ليست فقط من أجل السيطرة على الأرض، بل لإعادة رسم الخريطة السياسية والعسكرية للسودان، ولحسم وجهته في صراع إقليمي ودولي معقد.
تكمن الأهمية الاستراتيجية لكردفان في موقعها الجغرافي الفريد؛ فهي بمثابة العمود الفقري للسودان، والحاجز الطبيعي الفاصل بين شرق البلاد وغربها. والسيطرة على كردفان تعني السيطرة على طرق الإمداد الحيوية التي تربط دارفور، وهذا ما يفسر شراسة القتال هناك، حيث تسعى المليشيا إلى فتح طرق إمداد جديدة من تشاد وليبيا، بينما يحقق الجيش السوداني انتصارات متلاحقة في قطع هذه الخطوط وإعادة فرض سيطرته على كامل الإقليم. العمليات الأخيرة في كازقيل والحمادي والديبيبات، والتي أعلن خلالها الجيش تدمير عشرات الآليات القتالية وتصفية مجموعات قتالية كاملة تابعة للمليشيا، تأتي في إطار هذه الاستراتيجية الهادفة إلى قطع خطوط الإمداد بين المليشيا وحلفائها من الحركة الشعبية قطاع الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وتجفيف منابع قوتها اللوجستية.
لا يمكن فصل التطورات في كردفان عن المتغيرات الإقليمية والدولية. فقد تحولت الحرب في السودان إلى ساحة لحرب بالوكالة بين قوى إقليمية تتنافس على النفوذ. وبينما تقوم دولة الإمارات بدعم المليشيا بشكل كبير، تجد المليشيا نفسها في موقف حرج مع تصاعد الضغوط الدولية، خاصة في أعقاب الفظائع التي ارتكبتها في دارفور والتي وصفتها الأمم المتحدة بأنها ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. في هذا السياق، تمثل الانتصارات الميدانية المتتالية التي يحققها الجيش السوداني رسالة واضحة لكل الأطراف الإقليمية والدولية مفادها أن القوات المسلحة عازمة على حسم المعركة عسكرياً، وإن أي ترتيبات سياسية مستقبلية يجب أن تراعي هذا الواقع الميداني الجديد. فالجيش السوداني، الذي استعاد السيطرة على الخرطوم وود مدني وكسر حصار مدن كردفان الرئيسية، يواصل الآن زحفه المظفر لتحرير آخر شبر من أرض كردفان ثم دارفور من دنس المليشيا الإرهابية.
ولكن خلف كل معادلة عسكرية، هناك معاناة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم. فقد حولت الحرب البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، حيث يحتاج أكثر من ثلثي السكان إلى مساعدات إنسانية عاجلة. في الأسبوعين الأولين من يناير وحده، وثق مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل نحو مئة قبر جديد في مقابر مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، في مؤشر صارخ على حصيلة سهداء الطائرات المسيرة التي تستخدمها المليشيا ضد المدنيين. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية نزوح أكثر من 42 ألف شخص داخل كردفان خلال الفترة نفسها. المأساة أن جزءاً كبيراً من هذه المعاناة نتج عن تحول طبيعة القتال، حيث أصبح الاعتماد على الطائرات المسيرة سمة بارزة في أعتداءات المليشيا، مما زاد من معاناة المدنيين وعرض حياتهم للخطر بشكل يومي.
إن العمليات العسكرية الجارية في كردفان هي جزء لا يتجزأ من معركة وجود وليست مجرد مناورة تكتيكية. فالجيش السوداني، الذي يستمد شرعيته من كونه المؤسسة الوطنية الجامعة، يدرك أن كردفان هي مفتاح استعادة السيطرة على كامل البلاد. فتحقيق النصر الحاسم هناك لن يؤدي فقط إلى طرد المليشيا من آخر معاقلها، بل سيشكل ضربة قاضية لأحلامها في تقسيم البلاد أو فرض واقع جديد كأمر ختمي. هذا هو سر المعركة، وهذا هو حجم الرهان. إن تضحيات قواتنا المسلحة والقوات المساندة لها في هذه البقعة الغالية من أرض السودان لن تذهب هباءً، بل ستكتب بحروف من نور في سجل المجد الوطني. دماء الشهداء الزكية التي روّت تراب كردفان ستكون وقوداً لانتصار قادم لا محالة، فجرٌ يلوح في الأفق، ونصرٌ من الله وفتح قريب.