مؤتمر برلين حول السودان… غياب الدولة ينسف شرعية الحلول بقلم: د. طاهر موسى الحسن

0 3

 

 

 

لم يكن موقف الحكومة السودانية الرافض لمؤتمر برلين مفاجئاً، بل جاء منسجماً مع معطيات موضوعية تكشف خللاً بنيوياً في فلسفة هذا المؤتمر منذ لحظة التأسيس. فحين يُعقد مؤتمر يناقش مصير دولة دون مشاركة حكومتها، فإن السؤال لا يكون عن نتائجه، بل عن شرعيته من الأساس.

لقد أعلن رئيس الوزراء السوداني بوضوح أن مؤتمر برلين لا يعني الحكومة ولا الشعب السوداني، مشيراً إلى أن عدم دعوة السودان يمثل خطأً فادحاً ينذر بفشل مخرجاته . وهذه ليست مجرد عبارة سياسية للاستهلاك الإعلامي، بل تعبير دقيق عن أزمة أعمق: أزمة فرض حلول خارجية على واقع داخلي معقد.

مؤتمر برلين، الذي انعقد في 15 أبريل 2026، جاء في سياق سلسلة من المؤتمرات الدولية (باريس 2024، لندن 2025)، التي حاولت إعادة إنتاج مسار سياسي للأزمة السودانية، لكنها في جوهرها لم تنجح في مخاطبة مركز الثقل الحقيقي للصراع. فهذه المؤتمرات، كما تشير تحليلات مراكز بحثية، ليست منصات تفاوض لصالح الشعب ، بل آليات تنسيق دولي خارجي تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي وفق رؤية دولية محددة .

وهنا تكمن الإشكالية الكبرى.

كيف يمكن لمؤتمر يسعى إلى وقف الحرب أن يستبعد الفاعل الأساسي على الأرض؟ وكيف يمكن لمخرجاته أن تُطبق دون موافقة الدولة التي يُفترض أنها صاحبة السيادة؟ إن هذا التناقض لا يعكس فقط خللاً في التصميم، بل يكشف عن ذهنية دولية لا تزال تتعامل مع السودان كملف يُدار، لا كدولة تُحترم.

صحيح أن المؤتمر خرج بتعهدات مالية تجاوزت 1.3 مليار يورو، ودعوات لوقف إطلاق النار، وتأكيد على المسار الإنساني ، لكن التجربة أثبتت أن المال وحده لا يصنع السلام، وأن البيانات السياسية، مهما بلغت أناقتها، لا توقف حرباً ما لم تكن مرتبطة بإرادة داخلية حقيقية.

بل إن الأخطر من ذلك، أن مثل هذه المؤتمرات قد تسهم دون قصد في تعقيد الأزمة، عبر خلق مراكز شرعية موازية، ومنح أدوار لقوى لا تمتلك تأثيراً فعلياً على الأرض. وهو ما أشار إليه مراقبون حين تحدثوا عن ضعف تمثيل القوى السودانية الحقيقية، وغياب معايير واضحة لاختيار المشاركين .

وفي تقديري، فإن جوهر الرفض السوداني لا يتعلق فقط بالإقصاء الشكلي، بل برفض فلسفة الهندسة السياسية الخارجية. فالسودان اليوم ليس ساحة فارغة يمكن إعادة ترتيبها من الخارج، بل هو دولة تخوض معركة معقدة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاجتماعية.

كما أن تجاهل الحكومة السودانية يبعث برسالة خطيرة مفادها أن المجتمع الدولي مستعد للتعامل مع بدائل غير منتخبة أو غير ممثلة، وهو ما يقوض مفهوم الدولة ذاته، ويفتح الباب أمام مزيد من التشظي.

ولا يمكن فصل هذا المؤتمر عن السياق الدولي الأوسع، حيث تتقاطع في السودان مصالح كبرى تتعلق بالبحر الأحمر، والهجرة، والموارد الطبيعية. فالسودان في نظر بعض القوى لم يعد مجرد أزمة إنسانية، بل عقدة جيوسياسية يجب إدارتها بما يخدم توازنات دولية وإقليمية.

لكن ما يغيب عن كثير من هذه المقاربات هو أن أي حل لا ينطلق من الداخل محكوم عليه بالفشل. فالتجارب السابقة، من ليبيا إلى أفغانستان، تؤكد أن فرض الحلول من الخارج قد ينجح مرحلياً، لكنه لا يصمد أمام تعقيدات الواقع.

إن الطريق إلى السلام في السودان لا يمر عبر برلين أو باريس أو لندن، بل يبدأ من الخرطوم، ومن توافق وطني حقيقي يعترف بتعقيدات المشهد، ويضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار.

وفي هذا السياق، يمكن فهم موقف الحكومة السودانية ليس كرفض للحلول، بل كرفض لفرضها. فالسودان رغم أزمته لا يزال يمتلك القدرة على إنتاج حلوله، إذا ما توفرت الإرادة، وتم تحييد الأجندات الخارجية.

ختاماً، يمكن القول إن مؤتمر برلين يعكس أزمة في فهم طبيعة الصراع السوداني أكثر مما يقدم حلاً له. فالمشكلة ليست في غياب المؤتمرات، بل في غياب الرؤية التي تحترم سيادة الدول، وتؤمن بأن السلام لا يُصنع في القاعات المغلقة، بل في الداخل… حيث يعيش الناس ويدفعون ثمن الحرب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.