التعدين الأهلي في كسلا… بين تعظيم الموارد وحماية البيئة بقلم: فخري فركاوي
تمثل الورشة التي تنظمها أمانة ديوان الزكاة بولاية كسلا حول زكاة التعدين الأهلي خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، ليس فقط من زاوية تعظيم موارد الزكاة، بل من حيث فتح نقاش ضروري حول قطاع بات يشكل أحد أعمدة الاقتصاد غير الرسمي في السودان. غير أن هذا القطاع، بقدر ما يحمل من فرص، ينطوي على تحديات بيئية وصحية جسيمة، إذا لم تُدار بحكمة، قد تتحول إلى عبء يفوق عائدها.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن التعدين الأهلي، إذا تُرك دون تنظيم، يمكن أن يؤدي إلى تدهور بيئي واسع النطاق. وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن التعدين التقليدي يُعد من أكبر مصادر التلوث بالزئبق في العالم، حيث يُستخدم في استخلاص الذهب بطرق بدائية، ما يؤدي إلى تلويث التربة والمياه، ومن ثم انتقاله إلى السلسلة الغذائية، مهدداً صحة الإنسان والحيوان على حد سواء.
وفي السودان، لا تختلف الصورة كثيراً، خاصة في مناطق التعدين بولايات الشرق، حيث أظهرت دراسات محلية أن الاستخدام غير المنظم للمواد الكيميائية، إلى جانب الحفر العشوائي، أدى إلى تدهور الأراضي الزراعية وتلوث مصادر المياه الجوفية. وهنا تبرز أهمية أن تتحول مثل هذه الورش من مجرد نقاشات نظرية إلى منصات لوضع سياسات عملية قابلة للتنفيذ.
ومن هذا المنطلق، أطرح جملة من التوصيات البيئية للمشاركين في الورشة، لعلها تسهم في تحقيق التوازن بين الإنتاج والحفاظ على البيئة:
أولاً، ضرورة تقنين استخدام المواد الخطرة، وعلى رأسها الزئبق، والعمل تدريجياً على استبداله ببدائل أكثر أماناً، وهو ما دعت إليه اتفاقية ميناماتا التي تهدف إلى الحد من استخدام الزئبق عالمياً.
ثانياً، إنشاء مواقع مخصصة للتعدين الأهلي، تُدار وفق ضوابط بيئية واضحة، بدلاً من الانتشار العشوائي الذي يؤدي إلى تشويه الأراضي وإهدار الموارد. فالتجربة في تنزانيا، على سبيل المثال، أظهرت أن تنظيم التعدين الأهلي في مناطق محددة يسهم في تقليل الأضرار البيئية وزيادة الإنتاجية.
ثالثاً، إلزام المعدنين بعمليات ردم الحفر بعد الانتهاء من العمل، وإعادة تأهيل الأراضي المتأثرة، وذلك للحد من مخاطر الانهيارات، وحماية الإنسان والحيوان، والحفاظ على التربة الزراعية.
رابعاً، تعزيز الوعي البيئي وسط العاملين في القطاع، عبر برامج تدريبية مستمرة، فالمشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن في سوء النية، بل في غياب المعرفة. وهنا يمكن أن تلعب مؤسسات مثل ديوان الزكاة دوراً مهماً في تمويل هذه البرامج ضمن مسؤوليتها المجتمعية.
خامساً، إدماج البعد الصحي في سياسات التعدين، من خلال إنشاء وحدات صحية قريبة من مناطق التعدين، لرصد ومعالجة الأمراض المرتبطة بالتلوث، خاصة أمراض الجهاز التنفسي والتسمم بالمعادن الثقيلة.
سادساً، بناء شراكات حقيقية بين الجهات الحكومية وقطاع التعدين الأهلي، بحيث لا يُنظر إلى المعدنين كخصوم، بل كشركاء في التنمية، مع توفير حوافز للملتزمين بالاشتراطات البيئية.
إن ولاية كسلا، بما تمتلكه من موارد طبيعية وبشرية، قادرة على تحويل التعدين الأهلي من نشاط عشوائي إلى قطاع منظم يسهم في التنمية المستدامة، شريطة أن يُدار بعقلية توازن بين الاقتصاد والبيئة. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الإنتاج فقط، بل بقدرتنا على الحفاظ على الأرض التي تنتج.
وفي الختام، فإن هذه الورشة تمثل فرصة ثمينة لوضع أسس جديدة لهذا القطاع، وإذا ما أُحسن استثمار مخرجاتها، فإن كسلا يمكن أن تقدم نموذجاً يُحتذى به في إدارة التعدين الأهلي بصورة مسؤولة ومستدامة.