اعتراف واشنطن بالألم: هل هو نهاية الهيمنة أم بداية التراجع؟ د. طاهر موسى الحسن
في تطور يعكس تحولاً عميقاً في موازين القوى الدولية، خرج نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بتصريح وصفه المراقبون بأنه اعتراف غير مسبوق من مسؤول أمريكي كبير، حين قال نصاً: نقر بارتفاع أسعار الطاقة، ونُدرك أن الشعب الأمريكي يتألم، وسنبذل جهوداً تفاوضية قادمة مع إيران لمعالجة ذلك قريباً. هذا التصريح الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد اعتراف بواقع اقتصادي، يحمل في طياته دلالات استراتيجية عميقة، تدفعنا إلى التساؤل: هل نحن أمام هزيمة أمريكية واستسلام لإيران، أم أن المشهد أكبر من ذلك بكثير؟
* من لغة التهديد إلى لهجة الاعتراف
قبل أسابيع قليلة فقط، كان الرئيس ترامب يهدد إيران بأقسى العقوبات والعمل العسكري، ويعلن أن طهران لم يعد لديها أي أوراق للتفاوض. أما اليوم، فنائبه يعترف علناً بأن الشعب الأمريكي يتألم بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، وأن واشنطن مضطرة للذهاب إلى طاولة المفاوضات لمعالجة هذه المعاناة. هذا التحول في الخطاب ليس مجرد تغيير في اللهجة، بل هو اعتراف صريح بأن استراتيجية الضغط الأقصى التي راهنت عليها الإدارة الأمريكية قد فشلت في تحقيق أهدافها.
فشلت المفاوضات التي استمرت 21 ساعة في إسلام آباد مؤخراً بين الجانبين الأمريكي والإيراني، حيث رفضت طهران المطالب الأمريكية التي تضمنت وقفاً للتخصيب لمدة عشرين عاماً، وقدمت بدلاً من ذلك مقترحاً بهدنة نووية لمدة خمس سنوات فقط. هذا الرفض الإيراني الحازم أظهر بوضوح أن طهران لم تأتِ إلى المفاوضات من موقع ضعف، بل من موقع قوة، مستغلة بذكاء الورقة الأهم التي تمتلكها: مضيق هرمز.
* مضيق هرمز: مفتاح الأزمة وسر الألم الأمريكي
يكمن جوهر الأزمة في مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الحيوي الذي تمر عبره حوالي خمس الإمدادات العالمية من النفط. إيران، من خلال تهديدها بإغلاق المضيق أو فرض رسوم على عبور الناقلات، تمسكت بأقوى أوراقها التفاوضية، وأجبرت واشنطن على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط مختلفة تماماً عن تلك التي كانت تطرحها قبل الحرب.
ارتفاع أسعار البنزين إلى ما فوق 4 دولارات للجالون في العديد من الولايات الأمريكية، ووصول سعر برميل النفط إلى مستويات قاربت 100 دولار، لم يكن مجرد أرقام اقتصادية جافة، بل تحول إلى ألم يومي يشعر به المواطن الأمريكي العادي. هذا الألم ترجم إلى ضغط شعبي متزايد على إدارة ترامب، التي تجد نفسها اليوم في موقف لا تحسد عليه: لا تستطيع تصعيد الحرب خوفاً من تداعياتها الاقتصادية والسياسية، ولا تستطيع الانسحاب دون أن تفقد ما تبقى من هيبتها.
* هل هو استسلام أم إعادة تقييم استراتيجي؟
تصريح فانس لا يمكن اعتباره استسلاماً بالمعنى التقليدي، لكنه بلا شك يمثل اعترافاً ضمنياً بهزيمة الاستراتيجية الأمريكية في المواجهة مع إيران. فالمفاوضات التي تجري حالياً ليست مفاوضات نزع سلاح أو تغيير نظام، بل هي أشبه بمفاوضات وقف إطلاق نار بين طرفين متكافئين، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران.
لقد أثبتت إيران، كما يشير العديد من المحللين، أنها دولة ذات حضارة عريقة تفهم قواعد اللعبة السياسية والعسكرية بعمق. لم تسعَ طهران إلى انتصار ساحق على الولايات المتحدة، لأنها تدرك أن ذلك مستحيل، لكنها راهنت على استراتيجية أكثر ذكاءً: إجبار أمريكا على عدم الانتصار ، وهو ما يسمى في الأدبيات الاستراتيجية بـالهزيمة الاستراتيجية للعدو عبر استنزافه وإرهاقه حتى يضطر للانسحاب بشروطه.
* قراءة في الأرقام والميدان
تشير بعض التقارير إلى أن القواعد الأمريكية في الخليج تعرضت لأضرار كبيرة، وتحدثت صحيفة نيويورك تايمز عن تحول بعض هذه القواعد إلى ركام، مما اضطر الجنود الأمريكيين للعمل من فنادق ومكاتب وسط المدنيين. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن حاملتي الطائرات جيرالد فورد و أبراهام لينكولن تعرضتا لأضرار دفعت القوات الأمريكية إلى سحبهما مسافة تزيد عن 1100 كيلومتر عن الشواطئ الإيرانية، في ما وصفته المصادر العسكرية بـإعادة تموضع محسوبة لكن المراقبين رأوا فيها انسحاباً استراتيجياً
هذه الوقائع الميدانية، إلى جانب الاعترافات السياسية، ترسم صورة مختلفة تماماً عن الصورة النمطية التي طالما سوقتها واشنطن عن قوتها التي لا تُقهر.
تصريح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ليس مجرد اعتراف بألم الشعب الأمريكي، بل هو اعتراف ضمني بفشل المشروع الأمريكي في إخضاع إيران عسكرياً، واضطرار واشنطن للتفاوض من موقع يختلف جذرياً عما كانت تتصوره قبل الحرب.
هذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية ليس فقط لإيران، بل لكل القوى التي تراهن على عالم متعدد الأقطاب، تتآكل فيه الهيمنة الأحادية الأمريكية تدريجياً. فكما قال المحللون في صحيفة الإندبندنت سابقاً، إيران هي الفائز الأكبر في هذه المواجهة حتى الآن، ليس لأنها دمرت القوات الأمريكية، بل لأنها أثبتت أن أمريكا لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها العسكرية كما كان متوقعاً.
العبرة هنا ليست في تصريح فانس نفسه، بل في ما يعكسه من تحولات عميقة في بنية القوة العالمية، تتيح للدول التي تمتلك الإرادة والقدرة على الصمود أن تعيد رسم خريطة العلاقات الدولية بما يخدم مصالحها. إنها لحظة يجب استثمارها بحكمة، لأن التاريخ لا يتكرر، والفرص لا تأتي مرتين.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.