الكرمك بين نار التمرد وخيوط التآمر بقلم: د. الطاهر موسى الحسن
لم يعد الحديث عن التآمر على السودان محل شك أو تأويل، بل أصبح واقعًا مؤكّدًا تثبته الوقائع الميدانية والأحداث المتلاحقة. وما جرى في مدينة الكرمك ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل ممنهج تُدار فصوله بعناية، وتُستخدم فيه مليشيا الدعم السريع كأداة تنفيذ لمخططات إقليمية تسعى إلى تفكيك الدولة السودانية وضرب تماسكها من الداخل.
إن ما حدث في الكرمك يكشف بوضوح طبيعة هذا المشروع؛ فبمجرد دخول المليشيا إلى المدينة، عادت ذات الممارسات الإجرامية التي باتت سمة ملازمة لتحركاتها، حيث تحدثت شهادات ومعلومات ميدانية عن انتهاكات مروعة بحق المدنيين، وإذا ما قارنّا ما يجري في الكرمك بما حدث في مدينة الفاشر، فإن الصورة تتكرر بشكل يكاد يكون متطابق؛ ذات النهج، وذات الأدوات، وذات النتائج. ففي الفاشر، شهد العالم كيف تحولت المدينة إلى مسرح لانتهاكات واسعة، من استهداف للمدنيين، وتدمير للبنية التحتية، وحصار خانق أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية بشكل كارثي. ومع ذلك، ظل رد الفعل الدولي دون مستوى الحدث، يتراوح بين بيانات القلق والدعوات العامة دون أي إجراءات حقيقية لوقف هذه الجرائم.
هذا التشابه بين الكرمك والفاشر لا يمكن اعتباره مصادفة، بل يؤكد أن هناك نمطًا ممنهجًا في إدارة العمليات، يقوم على ضرب المدن الحيوية، وإرهاب سكانها، ثم فرض واقع جديد بالقوة، في ظل غياب أي رادع دولي فعّال.
الأخطر من ذلك هو حالة الصمت الدولي التي باتت تثير تساؤلات مشروعة؛ أين المجتمع الدولي من هذه الانتهاكات؟ أين المؤسسات التي تتحدث عن حقوق الإنسان حين تُنتهك بهذه الصورة الفجة؟ ولماذا يُترك المدنيون في السودان لمصيرهم في مواجهة آلة عنف لا تميّز بين طفل وامرأة وشيخ؟
إن ما يجري يكشف بوضوح ازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات، حيث تتحرك الآليات الدولية بسرعة في بعض النزاعات، بينما تُترك شعوب أخرى – ومنها الشعب السوداني – تواجه مصيرها في صمت يكاد يرقى إلى مستوى التواطؤ.
الكرمك، بحكم موقعها الاستراتيجي على الحدود مع إثيوبيا، لم تكن هدفًا عابرًا، بل تمثل نقطة ارتكاز مهمة في أي مشروع يسعى لإعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم. ومن هنا، فإن السيطرة عليها جاءت نتيجة تنسيق محكم، تشير دلائله إلى دور إثيوبي واضح تمثل في تسهيل تحركات المليشيا عبر أراضيها، واستخدام مناطق حدودية مثل أصوصا كنقطة انطلاق وعمق لوجستي، إلى جانب الحديث عن دعم استخباراتي عبر الطائرات المسيّرة لرصد تحركات الجيش السوداني.
وفي ذات السياق، لا يمكن إغفال الدور الإماراتي الذي ظل محل اتهامات متكررة، سواء عبر التمويل أو الدعم اللوجستي أو استقدام عناصر قتالية من خارج السودان. وقد عززت هذه الاتهامات تقارير إعلامية دولية تحدثت عن معسكرات تدريب لعناصر مرتزقة في مناطق قريبة من الحدود السودانية، يتم إعدادهم للانخراط في القتال ضمن صفوف المليشيا، في مشهد يعكس حجم التداخل الخارجي في الصراع.
إن ما يجري في الكرمك لا يمكن فصله عن سياق أوسع يستهدف السودان كدولة، عبر إضعاف جيشه، وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وإغراقه في صراعات داخلية ممتدة. وهي استراتيجية معروفة تقوم على إنهاك الدول من الداخل بدل مواجهتها مباشرة.
ورغم خطورة المشهد، فإن المعادلة لم تُحسم بعد، إذ يظل الجيش السوداني، بما يمتلكه من خبرة وتاريخ، قادرًا على إعادة التوازن وصد هذه الهجمة المركبة، مدعومًا بإرادة شعبية تدرك أن ما يُستهدف اليوم ليس سلطة أو نظامًا، بل وجود وطن بأكمله.
إن الكرمك اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل شاهد حي على طبيعة الحرب التي تُفرض على السودان، حرب تتجاوز البنادق إلى كسر الإرادة وإعادة تشكيل الواقع. غير أن التاريخ السوداني يؤكد أن هذه الأرض، التي واجهت تحديات أكبر، قادرة على إفشال كل المخططات، متى ما توحدت كلمتها، وتماسك جيشها، وارتفعت فيها راية الوعي فوق كل اعتبار.