وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي…يكتب:  مدرسة المبدأ ومنطق الغنيمة..

0 2

 

 

بين سعاد الفاتح وفاطمة أحمد إبراهيم تمتد مساحة نادرة في الذاكرة السياسية السودانية، مساحة لا تُقاس بالمواقف وحدها، بل بقدرة المرأتين على تحويل الحضور النسائي إلى قوة ضغط أخلاقي وسياسي داخل بنية العمل السياسي الحزبي. هذه الشخصيات لم تكن مجرد رموز، بل كانت معايير حيّة للعمل العام، حيث أثبتت المرأة حين تتسلح بالفكرة والإرادة قدرتها على إعادة تعريف السياسة وإعادة صياغة سقف المسؤولية العامة.

سعاد الفاتح محمد البدوي ( 1932 – 2022) كانت رائدة أكاديمية وبرلمانية سودانية، قادت مسيرة تعليمية وسياسية طويلة شملت منصب مستشارة الرئيس لشؤون المرأة والطفل وعضوية البرلمان، وعُرفت بحدتها وشجاعتها في مواجهة الفساد والدفاع عن قيم الشريعة والعدالة الاجتماعية، كما كانت صوتًا بارزًا في دعم التعليم وتمكين المرأة.

لقد برزت سعاد الفاتح في لحظات برلمانية مهمة كصوت نشاز في منظومة التوافق المريح. رفضها تمرير القرض الربوي لسد مروي ،لم يكن موقفًا فقهيًا فقط، بل فعل سياسي أعاد طرح السؤال القديم حول حدود البراغماتية داخل الأنظمة ذات المرجعية الإسلامية. كانت تعرف أن التنازل في القضايا الكبرى يبدأ غالبًا من بوابة “ فقه الضرورة”، وأن المؤسسات حين تفقد حساسيتها الأخلاقية تفقد تدريجيًا ثقة الجمهور فيها.

هذا الموقف يكشف عن إحدى المفارقات البنيوية في التجربة السودانية: فالقوى التي رفعت شعارات إسلامية وجدت نفسها، تحت ضغط الدولة ومتطلبات الحكم، تميل إلى حلول وسطى. وهنا تحديدًا تتجلى أهمية صوت معارض من داخل البيت الفكري نفسه، صوت يذكّر بأن الشرعية الأيديولوجية لا تُستدام بالشعارات، بل بالاتساق بين القول والفعل.

لقد مارست سعاد الفاتح دور “الضمير الحرج” داخل حزب المؤتمر الوطني وداخل البرلمان ، وهو دور نادر داخل الأحزاب السودانية وفي برلمانات المنطقة، حيث يغلب الانضباط الحزبي على الاستقلال الفردي.

في المقابل جسدت فاطمة أحمد إبراهيم (1933–2017) نموذجًا آخر للصلابة السياسية، من زاوية الدفاع عن الحقوق المدنية والتمثيل الشعبي.

تاريخها منذ انتخابها أول امرأة برلمانية في الشرق الأوسط عام 1965 يكشف عن شخصية تدرك أن السياسة ليست مجرد إدارة سلطة، بل تمثيل حي لمعاناة الناس. اعتصمت أمام اجتماع المعارضة في القاهرة عام 1998 لتوصيل رسالة واضحة عن معنى الشرعية: تمثل الناس دون خوف، ولا تخضع للإملاءات أو المحسوبيات أو الإرتهان للخارج . حين صرخت : “هل هذه هي الديمقراطية” محتجة علي الممارسات الحزبية، حيث كانت تشير إلى مرض مزمن في الحياة السياسية السودانية: احتكار القرار داخل دوائر ضيقة سواء في السلطة أو المعارضة، وإقصاء من يختلف معهم.

وضع هاتين التجربتين اليوم في سياق التحولات التي أعقبت 2019 يوضح عمق الأزمة التي تعيشها بلادنا. فالمشهد الذي أعقب سقوط نظام البشير كشف أن الانهيار لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل انزلاق تدريجي من مفهوم الدولة إلى مفهوم الغنيمة. بدأت الأزمة حين عجزت الأحزاب عن الانتقال من منطق الخصومة إلى منطق الدولة.

رُفعت شعارات الثورة والعدالة، والديمقراطية، لكن الممارسة العملية انزلقت سريعًا نحو الإقصاء بدل المساءلة القانونية، فتضررت سيادة القانون وتآكلت ثقة المواطنين، خصوصًا الشباب الطامح للتغيير .

ثم تم تفريغ الشرعية من مضمونها، إذ استمرت المرحلة الانتقالية بلا انتخاب، وتعاملت القوى السياسية مع التحولات على أنها غنيمة تُدار بعقلية المنتصر الطامع لا الشريك المسؤول. تزامن ذلك مع التطبيع السياسي مع السلاح خارج مؤسسات الدولة، ما أدى إلى تآكل احتكار الدولة للعنف، وهو ما مهّد لاحقًا لانقلاب أبريل 2023 الطامع في سلطة بلا تفويض، متماهيا مع أطماع الخارج ليتحول الصراع إلى حرب شاملة.

وبينما تصاعدت دعوات الإقصاء والتصنيف السياسي لبعض القوى، وازدادت المواقف المضادة المليئة بالاتهامات، انزلق الخطاب العام إلى معادلة صفرية : إلغاء مقابل تخوين، بينما تضيع دماء المدنيين بين خطابين متصارعين، وتضعف فكرة الدولة، ويصبح الانقسام الداخلي مصدرًا لاستغلال الخارج، الذي يتحرك وفق مصالحه الإقليمية والدولية.

إن المقارنة بين سعاد الفاتح وفاطمة إبراهيم تكشف أن السودان أنجب مدرستين نسويتين في السياسة: مدرسة أخلاقية محافظة تمثلها الأولى، ترى الإصلاح من داخل المرجعية الدينية ومؤسسات الدولة، وأخرى تقدمية تجسدها الثانية، تنطلق من فكرة العدالة الاجتماعية والتمثيل الشعبي.

ورغم التباين الفكري بينهما ” اسلامي، شيوعي” ، فإن القاسم المشترك هو الجرأة في مواجهة التجاوزات والمواقف الرمادية داخل مؤسسات يغلب عليها الطابع الحزبي الصارم والصفقات السياسية التكتيكية، مع حرصهما على تحمل مسؤولية أفعالهما تجاه المجتمع.

تكشف أحداث ما بعد 2019 عن انهيار كامل لمنطق التعاقد الاجتماعي، حيث استبدلت المؤسسات القانونية بالإقصاء، وفُرغت الشرعية من مضمونها، واستُخدمت مليشيات خارج الدولة للضغط، ما أدى إلى فقدان سيادة القرار الوطني. وفي هذا السياق، يصبح إرث القيادات النسائية السابقة ، معيارًا نقديًا لفهم مأزق الحاضر، إذ يبرز الفرق بين جيل تعامل مع السلطة وفق المباديء، وجيل غلب عليه منطق المصالح والغنيمة.

بحسب #وجه_الحقيقة أن الأزمة السودانية الراهنة ليست أزمة أشخاص، بل أزمة ثقافة سياسية لم تفهم بعد معنى الدولة ولا منطق العقد الاجتماعي، ثقافة ترى في الخارج سندًا، وفي الإقصاء حلًا، وفي المؤامرة بديلًا عن الفعل السياسي المنتج. ولن يكون الخروج من هذا النفق إلا بالانتقال من سياسة الخصومة الصفرية إلى سياسة التعاقد الوطني، حيث يُدار الخلاف داخل الوطن، ويكون الشعب هو الحكم، وتستعيد الدولة سيادتها وقيمها، بعيدًا عن منطق الغنيمة، وقربًا من مدرسة المبدأ التي جسّدتها أعلام مثل سعاد الفاتح وفاطمة أحمد إبراهيم.. نسال الله لهما الرحمة والمغفرة والقبول في جنة الفردوس .

دمتم بخير وعافية.

الثلاثاء 24 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.