وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي يكتب: دوركهايم في أم درمان..!
أم درمان بعد الحرب، مجتمع حي يعيد إنتاج ذاته وفق ما وصفه إيميل دوركهايم : “أن المجتمع كيان قائم بذاته، يتجاوز الأفراد، ويحمل الضمير الجمعي الذي يربطهم ببعضهم ويصوغ هويتهم المشتركة”. وأنا أتنقل مع عدد من الأصدقاء ، بدت ملامح هذا المعنى واضحة في الأسواق التي استعادت حركتها، والمجالس التي عادت إليها حميميتها، والمساجد التي امتلأت بالمصلين. تمت استعادة الحركة اليومية والحياة الام درمانية ، واستعيدت الثقة والانتماء، وأُعيد إنتاج النظام الاجتماعي والسياسي.
وفق فلسفة دوركهايم، “الوقائع الاجتماعية” من قيم وعادات وعلاقات، لا يمكن محوها بسهولة لأنها تسكن الوعي المشترك، وتشكل قاعدة لاستمرار المجتمع بعد الصدمات. أم درمان، بتاريخها الثقافي والسياسي، تُجسّد هذه الحقيقة ، فعودة المعلم إلى فصله، والتاجر إلى دكانه، والإمام إلى منبره شكّلت حلقات في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية، وهي تجسيد حي لـ”التضامن العضوي” الذي حدده دوركهايم، حيث تتكامل الأدوار وتتعاضد النظم، وتصبح الحاجة إلى الآخر قاعدة لإعادة البناء بعد الحرب.
الحرب قد تُربك الإيقاع الاجتماعي وتُزجّ الناس في النزوح، لكنها لا تقضي على الرسوخ الثقافي والسياسي إذا ظل الضمير الجمعي حيًا. في هذا الإطار، يصبح الألم والمعاناة أدوات وعي: إعادة الحياة اليومية ليست مجرد فعل روتيني، بل ممارسة سياسية واجتماعية تؤكد أن المدينة تعيد صياغة نفسها. الأسواق، المجالس، الطقوس الشعبية، المساجد، وكل رموز الحياة اليومية، هي أدوات لإعادة إنتاج السلطة الاجتماعية غير الرسمية، وضمان استقرار المجتمع، وتعزيز قيم التسامح والتعايش بين الأفراد.
عودة المسحراتي وشباب المكاشفية بالأمس بالنوبة والطبل المعهود لم تكن طقسًا شعبيًا عاديًا ، بل إعلانًا ذكيًا عن استعادة المدينة لنبضها الاجتماعي والسياسي. من الموردة إلى ودنوباوي، ومن حي العمدة إلى الثورات، تتجلى إرادة المجتمع في الحفاظ على العادات والتقاليد والرموز المشتركة، ما يعكس قدرة الضمير الجمعي على إنتاج نفسه سياسيًا وثقافيًا.
وفي مسجد السيدة سنهوري، احتشد المصلون لأول صلاة تراويح بعد تحرير العاصمة في مارس 2025، مؤكدين أن الشرعية والسلطة الاجتماعية تتولد من قدرة الناس على الاجتماع في أمان وسلام، وهو تطبيق عملي لفكرة دوركهايم عن “الانفعال الجمعي”، حيث تتوحد المشاعر في طقس مشترك فيولد الإحساس بالانتماء والتماسك الاجتماعي.
السياسة هنا ليست مجرد إدارة موارد أو فرض قوانين، بل فن إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية بعد الصدمات، بحيث تصبح المشاركة اليومية في الأسواق والمساجد والمناسبات المحلية جزءًا من تأسيس الدولة والمجتمع.
فالمدن العميقة الجذور لا تقوم على الحجر وحده أو الطرقات، بل على ذاكرة مشتركة واعية ومنتبهة وإرادة جماعية متجددة. لذلك نبض أم درمان اليوم يُسمع في الخطوات التي تعود إلى الأزقة، وفي ابتسامة تُصافح الغد بثقة مكتسبة من تجربة محنة، بما يثبت أن المدن، رغم الهزات، قادرة على إعادة إنتاج ذاتها عبر الضمير الجمعي والتضامن العضوي والأمل.
إن تجربة أم درمان تثبت أن المجتمعات، وفق فلسفة دوركهايم، تمتلك القدرة على استنهاض نفسها ، وأن التضامن ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تبدأ بنداء المسحراتي، وتكتمل في صفوف التراويح، وتمتد إلى ورش الإعمار. كل فعل يومي هنا يحمل بعدًا سياسيًا واجتماعيًا: فتح دكان، حضور صلاة جماعية، ممارسة طقس شعبي، كل ذلك يعيد صياغة السلطة ويؤكد أن المجتمع يعيد إنتاج نفسه دون انتظار المؤسسات الرسمية.
أم درمان اليوم، أو فلنقل العاصمة الخرطوم بكاملها، ليست مجرد مدينة تتعافى، بل مجتمع يكتشف قوته الكامنة ويؤكد أن التاريخ والذاكرة المشتركة والتضامن العضوي هي صمام أمانه السياسي والاجتماعي.
بين نداء المسحراتي وصفوف المصلين وهدير الدعاء، تتجلى فلسفة دوركهايم في أبهى صورها: “المجتمع ليس مجرد جموع عابرة، بل كيان حي متجدد، قادر على إعادة إنتاج ذاته باستمرار، وإحياء الحياة بمعناها الاجتماعي والسياسي والثقافي”. لذلك أم درمان اليوم ليست مجرد مدينة تتعافى، بل مجتمع يعيد اكتشاف قوته الكامنة وسطوته التي حاولوا استلابها، ويؤكد أن التاريخ، والذاكرة المشتركة، والتضامن العضوي، هي صمام أمانه الاجتماعي والسياسي.
فالقوة السياسية بحسب #وجه_الحقيقة لا تُبنى على صرامة القوانين أو المؤسسات فقط ، بل على تماسك المجتمع وإرادته . الحياة بعد الحرب ليست استرجاعًا للمكان وحده ، بل إعادة تأسيس للمعنى، وربط الفرد بالمجتمع، والتاريخ بالحاضر، والسياسة بالوعي الجماعي. أم درمان تثبت أن المدينة تُصاغ بالإرادة، بالوعي المشترك ، وبقدرة الناس على إعادة إنتاج ذواتهم ومجتمعهم بعد الهزات، لتصبح كل لحظة من الحياة اليومية شهادة على استمرارية المجتمع وقوته وإرادته.
دمتم بخير وعافية
الخميس 19 فبراير 2026م Shglawi55@gmail.com