د.امـجـد الـوسـيـلــة …يكتب: تأثيرات صراع الدولار(السعر الرسمي /الموازي)

0 5

 

 

 

– في خضم عدم الاستقرار الاقتصادي وتذبذب اسعار العملات تواجه اقتصادات الدول خاصة الناشئة منها – ضغوطاً كبيرة تتمثل في زيادة الطلب علي العملات نتيجة ارتفاع تكاليف التمويل ومن هنا يظهر سوق موازي لبيع العملات بجانب السوق الرسمي وتتفاوت عمليات التسعير بين السوقين حسب آليات كل منها .

– سنحاول في هذا المقال المفصّل تقديم شرح مبسط عن أسباب وجود اختلافات اسعار العملات في السودان ، وتأثيراته على المشهد الاقتصادي ، إلى جانب نظرة محدثة على أسعار الدولار الحالية مقارنةً بين البنوك والسوق الموازية ، والسيناريوهات المستقبلية المحتملة لسعر الدولار في السودان .

 

*ما هو السعر الرسمي وما هو السعر الموازي ؟*

*السعر الرسمي* : هو السعر الذي تحدده السلطات النقدية في الدولة – غالباً البنك المركزي – والذي تجري علي اساسه التعاملات الرسمية بين العملة المحلية والعملات الاجنبية وتحديد قيمة الصادرات والواردات وتحديد مدفوعات الديون السيادية وغيرها .

*السعر الموازي* : هو السعر غير الرسمي للعملة خارج القنوات والأُطر المصرفية والقانونية المعتمدة .

– وما يجدر ذكره ان الفارق الأساسي بين السعرين يكمن في آلية تحديد السعر : في البنوك يُحدد السعر رسمياً وقد يكون مدعوماً أو محدداً من قبل السلطات النقدية ، أما في السوق الموازية فيخضع السعر لمبدأ العرض والطلب الحر تماماً دون قيود .

– لذلك عند وجود قيود على تداول الدولار أو شُح في توفيره عبر القنوات الرسمية ، يظهر سعر موازٍ أعلى من الرسمي نتيجة زيادة الطلب . و بعبارة أخرى إذا لم يستطع البنك المركزي تلبية كل الطلب على الدولار بالسعر الرسمي يلجأ الناس إلى السوق الموازية ويكونون على استعداد لدفع سعر أعلى من الرسمي للحصول على العملة الصعبة وفي هذه الحالة تظهر مهنة (تجارة العملة) و يُفضل حائزو الدولار بيع ما لديهم في السوق الموازية لتحقيق ربح أكبر بدلاً من بيعه للبنوك بالسعر الرسمي المنخفض .

– بيد أن الفارق بين السعرين قد يتقلص أحياناً عند اتخاذ سياسات اقتصادية تعالج تشوّه سعر الصرف . على سبيل المثال في 2021م حرّر بنك السودان المركزي سعر الصرف (سياسة التعويم) وسمح للبنوك بتحديد سعر الدولار بشكل أكثر حرية ، مما أدى إلى ارتفاع السعر الرسمي في البنوك بأكثر من سعر السوق الموازية .

– في 14 يناير 2026م أقدم عدد من البنوك علي طرح عملاتهم بسعر اعلي من السوق الحر حيث سّعر بنك امدرمان الوطني الدولار بـ 3.600 بينما كان السعر الموازي 3.550 بفارق 50 جنيه كما سّعر البنك السوداني الفرنسي الدولار بـ3.556 بفارق اعلي من السعر الموازي بـ 6 جنيهات . انعكست هذه السياسة ايجاباً فخلال يوم واحد فقط انحسر نشاط السوق السوداء تقريباً واتجه الناس للبنوك لتبديل عملاتهم بعد إتاحة الدولار في البنوك بسعر اعلي من سعر السوق الموازي .

– سألني صديقي (مهدي الهادي) لماذا تلجأ البنوك الي طرح سعر الدولار بأكثر من السوق الموازي ؟ ببساطة لتلبية احتياجاتها من العملة وجذب العملات الي قنواتها الرسمية او لتحقيق مكاسب ايرادية لحظية ، وبالرغم من محاسن هذه السياسة الا ان الاستمرار فيها لوقت اطول قد يسبب خسائر لأن البنوك تشتري الدولار بأعلي من السعر الموازي .

*لكن السؤال الذي يطرح نفسه عزيزي القارئ لماذا يختلف سعر الدولار بين البنوك والسوق الموازية ؟*

هناك عدة أسباب جوهرية تؤدي إلى ظهور فرق بين سعر الدولار في البنوك والسوق الموازية . فيما يلي أهم هذه الأسباب :

*1. نقص الدولار في القنوات الرسمية :* عندما تواجه البلاد نقصاً في العملات الأجنبية نتيجة العقوبات الاقتصادية او شح التدفق الاجنبي ، تنخفض قدرة النظام المصرفي علي تلبية كل الاحتياجات الدولارية . عندها يتوجه من لم يحصل على الدولار من البنوك إلى السوق الموازية مستعداً لدفع سعر أعلى .

*2. السياسات النقدية والقيود الحكومية :* فرض قيود على تحويلات العملة الصعبة أو استخدامها بشكل رسمي يدفع البعض للبحث عن حلول بديلة . على سبيل المثال إذا حددت السلطات سقفًا لكمية الدولار المسموح بشرائها أو نقلها عبر البنوك سيظهر سوق غير رسمي يلبي الطلب الإضافي . كذلك تركيز البنك المركزي والبنوك على تمويل الواردات الاستراتيجية فقط (مثل السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج) يعني أن المستوردين الآخرين سيعانون من شُح الدولار ويلجؤون للسوق الموازية لتأمين احتياجاتهم .

*3. الاستيراد غير الرسمي والتهريب :* وجود تجارة غير رسمية أو عمليات تهريب خاصة في المناطق الحدودية لبعض السلع يعني حاجة مستوردي هذه السلع إلى الدولار من خارج النظام الرسمي . هذا الطلب الإضافي لأغراض التهريب أو التجارة غير الرسمية يرفع سعر الدولار في السوق الموازية ويُبقي الفجوة قائمة .

*4. المضاربة وتوقعات انخفاض الجنيه :* العوامل النفسية والمضاربة تلعب دوراً كبيراً . عندما يتوقع المواطنون أو التجار حدوث انخفاض في قيمة الجنيه (أي ارتفاع الدولار) بسبب ظروف اقتصادية أو قرارات قادمة يسارع الكثيرون إلى شراء الدولار وتخزينه كملاذ آمن أو كمخزن للقيمة . هنا يزيد الطلب في السوق الموازية و يدفع السعر لمستويات أعلى . على سبيل المثال بعد قرارات بنك السودان المركزي بتحرير العملة (التعويم) في فبراير 2021م قفز سعر الدولار بشكل حاد من 55 جنيه الي 376 جنيه .

*5. فروق الأسعار والربح السريع :* عندما يكون هناك فارق كبير بين السعر الرسمي والموازي ، تتولد فرصة للمضاربة فالبعض قد يحصل على الدولار بالسعر الرسمي ثم يعيد بيعه في السوق السوداء لتحقيق ربح فوري مستفيد من فرق السعر. هذا الاستغلال للفجوة يغذي نشاط السوق الموازية ويزيد من عمقها .

*تأثيرات فرق سعر الدولار على المشهد الاقتصادي :*

*1. المواطنون العاديون :* هم الأكثر تأثراً بشكل مباشر فإذا ارتفع الدولار في السوق الموازية كثيراً عن سعره في البنوك ، النتيجة هي موجة غلاء تشمل السلع الغذائية والأجهزة والإلكترونيات ومواد البناء وغيرها مما يضغط على قدرة المواطن الشرائية بشكل كبير . كذلك يؤثر فرق السعر على مدخرات الأسر فمع تراجع قيمة العملة المحلية تتآكل مدخرات المواطنين بالجنيه وتفقد جزءاً من قدرتها الشرائية مما يدفع البعض لتحويل مدخراته إلى عملات أجنبية أو ذهب للحفاظ على قيمتها. هذا السلوك (رغم منطقيته من وجهة نظر الأفراد) الا انه يؤدي إلى مزيد من الطلب على الدولار في السوق الموازية إذا لم يتوفر عبر البنوك . علاوة على ذلك الخدمات المرتبطة بالدولار كالرسوم الدراسية بالجامعات الخارجية أو تكاليف العلاج بالخارج أو حتى السياحة والسفر تصبح أكثر كلفة على المواطن .

*2. تأثير فرق السعر على المستوردين :* يشكل المستوردون إحدى أكثر الفئات ارتباطاً بشكل مباشر بفرق سعر الصرف بين البنوك والسوق الموازية . في الأحوال الطبيعية يعتمد المستورد على البنوك لتدبير العملة الصعبة اللازمة لشراء البضائع من الخارج لكن في حالة عدم توفير البنوك للدولار رسمياً ، قد لا يتمكن الكثير من المستوردين من الحصول على كامل احتياجاتهم عبر البنك بسعره الرسمي . لذلك يشتري المستورد الدولار من السوق السوداء بسعر أغلى من الرسمي الامر الذي يترتب عليه إما ان يقلّص حجم استيراده أو يرفع سعر بيع منتجاته النهائية . في كلتا الحالتين هناك ضرر على الاقتصاد إما نقص السلع في السوق إذا قلّ الاستيراد أو ارتفاع أسعارها إن تم تمرير التكلفة للمستهلك . وهذا ما يُفسّر ارتفاع أسعار كثير من المنتجات المستوردة .

*3. تأثير فرق السعر على المستثمرين :* يتأثر المستثمرون – سواء المحليون أو الأجانب – بشكل واضح بحالة سعر الصرف المستثمر الأجنبي ينظر إلى وجود سعرين للعملة على أنه علامة اضطراب اقتصادي فهو قد يقلق بشأن صعوبة تحويل أرباحه إلى دولار وإخراجها من البلاد إذا رغب أو يخشى من مزيد من انخفاض العملة المحلية بشكل مفاجئ . أما بالنسبة للمستثمر المحلي أو رائد الأعمال فإن وجود سوق موازية للعملة يخلق جواً من عدم اليقين المالي فإذا كان يدير مشروعاً يعتمد على مستلزمات أو معدات مستوردة سيصعب عليه إعداد ميزانية واضحة في ظل تغير مستمر لسعر الدولار . كذلك قد يفضل بعض المستثمرين المحليين الاحتفاظ بمدخراتهم بالدولار أو الذهب بدل استثمارها في مشاريع جديدة في أوقات يشعرون فيها أن الجنيه في انخفاض مستمر .

*نظرة محدثة عن تعاملات اليوم في السعر الرسمي والسعر الموازي ؟*

– اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026م ، تُظهر تعاملات سوق العملات حالة استقرار نسبي وتفاوت بين السعرين . إذ سجل الدولار في اعلي سعر رسمي البنك السوداني الفرنسي حوالي 3.575 جنيه بينما سجل في السوق الموازي 3.550 بفارق 25 جنيه ونلاحظ أن السعر الرسمي ما زال مرتفع امام السعر الموازي ، هذا الارتفاع يُعزى إلى نجاح سياسة بنك السودان المركزي في الحد من الاعتماد على السوق السوداء عبر جعل سعر الصرف حراً يخضع لعوامل العرض والطلب .

*السيناريوهات المستقبلية لسعر الدولار في السودان ؟*

بعد التقلبات الحادة التي مر بها سوق الصرف في الفترة الأخيرة يبقى السؤال: ما المتوقع لسعر الدولار في المرحلة القادمة ؟ بالنسبة للمستقبل القريب لدى الخبراء رؤى مختلفة يمكن تلخيصها في سيناريوهات محتملة لسعر الدولار أمام الجنيه السوداني نتناولها كالآتي :

*1. سيناريو متفائل (تحسّن الجنيه) :* وهو الاقل احتمالاً إذا تحسنت المؤشرات الاقتصادية الكلية الإيجابية (مثل استقطاب تدفقات النقد الأجنبي ووقف النزاعات ودعم اعادة الاعمار ودمج الاقتصاد الموازي وجذب المستثمرين) فمن المتوقع أن يتراجع سعر الدولار تدريجياً . يدعم هذا التوجه انخفاض اسعار الدولار عالمياً مما ينعكس ايجاباً علي الجنيه السوداني . اوالتوسع في أنشطة تنقيب الذهب وتوريد ايراداتها في خزينة الدولة مما يساهم في تعزيز هذا السناريو .

*2. سيناريو معتدل (استقرار نسبي) :* وهو الارجح يتوقع خبراء أخرون أن يستقر سعر الدولار حول مستوياته الحالية مع تقلبات محدودة النطاق اي انه لا يحدث تحسن كبير إضافي للجنيه ، لكنه قد يتدهور بشكل سريع و يتوقع هؤلاء قفز الدولار الي (4.000 جنيهً) ويدعم هذا التوجه زيادة الواردات الموسمية ونحن علي مشارف شهر رمضان المعظم .

*3. سيناريو متحفظ أو سلبي (ارتفاع الدولار من جديد) :* على الجانب الآخر لا يستبعد بعض المحللين ارتفاع الدولار مجدداً إذا ساءت الظروف الاقتصادية أو تأخر الحسم العسكري او ازدياد الخناق الاقتصادي المفروض من بعض دول الاقليم علي السودان . في هذا السيناريو قد يصل الدولار إلى حوالي 10.000جنيهًا أو أكثر خلال هذا العام . ويدعم هذا التوجه حدوث أزمات عالمية جديدة (كإرتفاع أسعار النفط بشدة أو اضطرابات مالية دولية) قد تعيد الضغط على الجنيه او التأخر في تنفيذ خطط جذب الاستثمار أو التأخر في تنفيذ السياسات النقدية فإن قوى السوق قد تدفع الدولار للارتفاع . هذا السيناريو وإن كان أقل ترجيحاً وفق المعطيات الحالية إلا أنه يظل ممكنًا .

وختاماً إن محاولة تسوية الصراع بين السعرين (الرسمي والموازي) هو علامة إيجابية ومطمئنة لكنها تتطلب متابعة حثيثة ودقيقة فالأهم هو معالجة جذور المشكلة في اصل البنية الاقتصادية وهي زيادة موارد الدولار الرسمية من خلال تشجيع تحويلات المغتربين و تنمية الصادرات والانتاجية وتشجيع الاستثمارات وتقليل الطلب عبر ترشيد الاستيراد وخاصة الكماليات إلى جانب ضبط السوق الموازية عبر الوسائل القانونية وتبني سياسات نقدية قادرة علي التدخل . ومن نافلة القول يمكن التأكيد علي أن الحفاظ وتوحيد سعر الصرف يجب أن يكون هدفاً استراتيجياً لصُناع القرار لضمان استقرار اقتصادي يمس حياة المواطن أولاً ثم استدامة الأعمال والاستثمار في البلاد .

ولنا عودة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.