زيارة والي شمال كردفان لمحلية أم روابة : التأسيس لما بعد الحرب*

0 23

2- منهجية التأسيس

فتحي الكرسني

من شركيلا، حيث يتقاطع الوجدان الشعبي مع نبض الأرض المقاومة، أطلّ والي شمال كردفان، عبد الخالق عبد اللطيف، برفقة لجنة أمن الولاية، معلناً ما يمكن وصفه بـ”منهجية التأسيس لما بعد الحرب”—رؤية تتجاوز حدود الجغرافيا المحررة، لتشمل الولاية بأسرها، واضعةً نصب عينيها معادلة البناء على أنقاض الخراب، واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع .

عبّر الوالي عن هذه المنهجية بعبارة مكثفة وبليغة قال فيها : “تمشي علينا خطوة ، نمشي عليك عشرة” وهيف ليست مجرد تعبير بلاغي، بل إشعار صريح بتحول في فلسفة الحكم، حيث تغدو الدولة شريكاً لا وصياً، وخادماً لا متسلطاً، في مشروع وطني جامع ينهض على التشارك والمسؤولية المتبادلة .

صحيح أن الوالي أبدى ارتياحه لزيارة المنطقة ، منوّهاً بصمود أهل شركيلا، ومثمّناً مجاهدات المرأة، لا سيما في قطاع التعليم ، ومعبّراً عن فخره بما سمّاه “الحضور الطاغي للمرأة في ساحة الوعي والمقاومة” ، كما امتدح بسالة القوات المسلحة والقوات المساندة، التي أعادت للمنطقة أمنها وهيبتها بعد دحر التمرد .

لكن خطابه في شركيلا لم يكن خطاباً مناسباتياً، بل جاء مشحوناً بروح الفعل، مسنوداً بقرارات آنية، منها تقديم دعم عاجل للمتأثرين بألف جوال من الدقيق، وإعلان استئناف العمل في المؤسسات الإدارية والشرطية والعدلية ، بما يكفل فرض سيادة القانون ، وضمان انسياب الخدمات ، وتحقيق العدالة .

وقد دعا الوالي صراحة إلى تكامل الأدوار بين المواطن والدولة ، والتبليغ عن كل متمرد أو متعاون – وهو ما بدأ تنفيذه فوراً – إلى جانب مساندة الأجهزة الأمنية في فرض هيبة الدولة ، كما شدد على ضرورة تكوين مقاومة شعبية واعية، تحرس الأرض بقيم القانون، لا بغريزة الانتقام، وتُعلي شأن العدالة فوق مشاعر الثأر .

إن ما جرى في شركيلا لا يُقرأ كمشهد عابر، بل يُعد بمثابة وثيقة تأسيس لمرحلة جديدة، بدأت بتشخيص جريء وعميق لأوجاع ما بعد الحرب ، وتتجه بخطى محسوبة نحو مستقبل يتجاوز المآسي المتوارثة .

 هذه المرة، تُقدّم حكومة شمال كردفان نموذجاً لوضع “العربة خلف الحصان”، ووعد الوالي بزيارة كامل حكومته إلى مختلف محليات الولاية، وتطرق للصحة والتعليم والزراعة والصناعة والثقافة والرياضة واحتياجات الشباب وحتى محفزات الاستثمار، كل هذا بعيداً عن دغدغة المشاعر بالأوهام والمعادلات المعكوسة ، وحسابات “الحقل والبيدر” .

في مقالنا القادم، سنواصل هذا المسار التحليلي، بالوقوف عند كلمات لجنة أمن الولاية، باعتبارها امتداداً موضوعياً لهذا التأسيس، واستشرافاً لوثائق ما بعد الحرب .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.