زيارة والي شمال كردفان لمحلية أم روابة : التأسيس لما بعد الحرب
1- ملامح عامة
فتحي الكرسني
في زمن الأزمات الكبرى في تاريخ الأمم، تصبح الأفعال البسيطة ذات وقع عظيم، وتأخذ التفاصيل المألوفة شكلاً مغايراً وهي تُنجز في مناخ الطوارئ الوطني. ومن هذا الباب، تكتسب زيارة والي شمال كردفان، عبدالخالق عبداللطيف، لمحلية أم روابة، وزنًا يتجاوز طابعها البروتوكولي، إذ بدت كأنها إعلان رسمي عن دخول الولاية مرحلة التأسيس لما بعد الحرب، بروحٍ وقودها التنمية، وتتكئ على القانون، وتنهض على إرادة الناس.
الزيارة، التي بدأت من منطقة شركيلا، لم تكن مجرد تحرّك جغرافي لوفد رسمي، بل أقرب إلى عملية تنفيذية، نظامية، قانونية – رمزية، ترمي إلى ترميم العلاقة بين الدولة والمجتمع، بعد أن شوهتها نيران التمرد وخيانة المتعاونين. فاستئناف عمل الوحدة الإدارية، وإعادة الشرطة والنيابة والقضاء، لم يكن مجرد إعادة تشغيل لمرافق الدولة، بل إيذانٌ بعودة “الهيبة”، واستعادة الدولة لوظائفها الحيوية، من قلب الريف الذي لطالما اعتُبر خاصرة رخوة، وغالبًا ما تُرك لمصيره.
وفي المدينة التي طالما احتاجت إلى تطبيع الحياة العامة، خاطب الوالي مستنفري المقاومة الشعبية في أم روابة، بلغةٍ تتجاوز التحفيز المعنوي إلى إشراكٍ عملي في مشروع الحماية والبناء، مشيرًا إلى أن الدفاع عن الأرض والعرض بحمل السلاح، لا ينفصل عن استئناف العملية التعليمية، واستقرار الخدمات، وعودة الأسواق إلى إيقاعها المعتاد.
أما الاجتماع المطول الذي ترأسه الوالي في ختام الزيارة، بمشاركة لجنتي أمن الولاية والمحلية، فقد بدا عملاً جادًا لتحويل “الزيارة” إلى “رؤية”، ولترتيب الأولويات في سياق أمني وخدمي معقّد، يتطلب حسًا سياسيًا مرنًا، واستيعابًا متجددًا لطبيعة التحديات .
لقد جاءت الزيارة لتؤكد أن محلية أم روابة ، رغم الجراح، تخطو بخطى واثقة نحو التعافي ، متجاوزة شوكة التمرد، وعاكسة إرادة أهلها الذين لم ينتظروا التعليمات من المركز، بل انخرطوا في مبادرات مجتمعية ذاتية، رافعين شعار: “لا عودة للخلف”. فها هي الحياة تدب من جديد في شوارع المدينة، والدوائر الحكومية تستعيد حيويتها، والمدارس تفتح أبوابها، والمياه تعود إلى مضخاتها، والكهرباء تنتظم… كأنها رسالة من أم روابة تقول: “نحن هنا، نحرس الحلم ونرسم المستقبل”.
في النهاية، ليست المسألة في زيارة مسؤول، بل في دلالات التوقيت، وصدق التفاعل الشعبي، وجدية الخطوات المتخذة .
فالحرب، وإن فرضت كلفتها الباهظة، فإن ما بعدها يحتاج إلى رجال دولة – وقد كان – يعيدون ترتيب الحطام، ويُعيدون للناس ثقتهم في أن هناك دولة، وأنها – وإن تأخرت – قادمة بخطى ثابتة .