من خنادق العزة إلى بيوت العفة.. كسلا تصوغ ملحمة البناء والجهاد بقلم: د. طاهر موسى الحسن
في عصر الجمعة ١٧ يوليو، احتضن إستاد كسلا الخضراء يوماً استثنائياً ولحظة وطنية فارقة تجسدت في كرنفال زواج الكرامة الأول، الذي زففنا فيه مائة وسبعين شابا علي مائة وسبعين شابة ليصبح العدد (340) زيجة مباركة من خيرة شباب وأبطال هذه الولاية المعطاءة. لم يكن هذا المحفل مجرد احتفال اجتماعي عابر، بل ملحمة كبرى جسدت أسمى معاني الوفاء والتكافل، ومكافأة شعبية ورمزية لصمود أبطالنا الأسطوري في معركة الكرامة.
إن هذا المشروع المبارك، الذي انطلق تحت شعار (من خنادق العزة إلى بيوت العفة ) جاء ليؤكد للعالم أجمع أن المقاومة الشعبية في ولاية كسلا قدمت نموذجاً متقدماً وفريداً على مستوى السودان؛ نموذجاً يوازن باقتدار وعزم بين الجهد العسكري في إسناد قواتنا المسلحة الباسلة، وبين الإسناد المدني والمجتمعي. فاليد التي تحمل السلاح حمايةً للأرض والعرض، هي ذاتها اليد التي تبني الصروح، وتزرع الفرح، وتحصن هؤلاء الشباب الأوفياء الذين تركوا مقاعد الدراسة وميادين العمل ليلتحقوا بخنادق الدفاع عن الوطن، مبرهنين على أن إرادة الشعوب لا تنكسر.
ولعل خير ما تجلت فيه هذه الرؤية الاستراتيجية هو ما شهدناه في هذا المحفل من تشريف كريم لسعادة الفريق الركن بشير مكي الباهي، رئيس المقاومة الشعبية القومية، وإشراف والي ولاية كسلا المكلف، اللواء الركن معاش الصادق محمد الأزرق. وقد وضع الفريق الركن بشير مكي النقاط على الحروف حين أعلن في كلمته أن رعاية المستنفرين وأسرهم تقع في قمة أولويات المقاومة الشعبية ، داعياً كافة الولايات للإقتداء بكسلا في تبني منصات إسناد اجتماعي توازي العطاء العسكري لهؤلاء الأبطال. وهو ذات المفهوم الذي عضّده السيد الوالي بتأكيده أن المشروع يجسد أسمى صور التلاحم المجتمعي لتحقيق الإستقرار الأسري لمن بذلوا كل غالٍ ورخيص.
ومن واقع دفاتر العمل الميداني والإداري، نؤكد أن سر تميز كسلا يكمن في عدم حصر جهود الاستنفار في المسار العسكري البحت، بل امتدت يد الرعاية لتلامس الجوانب الاجتماعية والنفسية والثقافية للمستنفرين وأسرهم. وهنا، ينحني القلم إجلالاً وتوقيراً للصبر الجميل والثبات العظيم لأمهات وزوجات وآباء المستنفرين والشهداء؛ أولئك الذين ودعوا فلذات أكبادهم بالزغاريد والدعوات، وتحملوا مررات الغياب وهواجس القلق بقلوب مؤمنة، فكان هذا الاحتفال بمثابة تحية إجلال لصبرهم الجليل الذي صنع النصر وحفظ تماسك الجبهة الداخلية.
وفي ذات السياق، جاءت كلمات رئيس لجنة الاستنفار بالولاية، اللواء الركن معاش يحيى النور محمد أحمد، لتعيد صياغة توجهاتنا؛ إذ أشار بوضوح إلى أن تخفيف عبء الزواج عن كاهل هؤلاء الأبطال هو واجب وطني وأخلاقي . وتجلت القيمة الحقيقية لهذا المشروع في أرقامه اللوجستية الضخمة التي بلغت نحو ستمائة مليار جنيه، لتصبح الرسالة الأقوى هي أن دماء الشهداء وتضحيات المستنفرين لن تقابل إلا بالوفاء والإحتضان والتقدير.
إن هذا التلاحم الوطني الباذخ لم يكن ليكتمل لولا وقفة الوفاء من شركاء الوطن؛ وتحت رعاية كريمة من المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، الدكتور محمد طاهر عمر محمد دين، الذي قدمت شركته نموذجاً ملهماً للمسؤولية المجتمعية. وقد أثلج صدورنا حديثه والتزامه الصارم باستدامة دعم المشروعات الخدمية التي تخدم أسر المرابطين والمجهود الحربي، اعترافاً بفضل هؤلاء الشباب الذين يؤمنون قلاع البلاد الإنتاجية والاقتصادية، مبيناً أن الشركة نفذت (420) مشروعاً تنموياً بشتى الولايات تجاوزت تكلفتها خمسين مليون دولار. ومن واقع معايشتنا اليومية، نرى في هذا الموقف تجسيداً حياً لروح المسؤولية، حيث التقت حركة رأس المال الوطني بقدسية العطاء الفدائي، لتذليل العقبات أمام عرساننا الأماجد من منسوبي القوات النظامية، والمستنفرين، وحركات الكفاح المسلّح، وأسر الشهداء، وإخوتنا من ذوي الهمم.
إننا إذ نبارك لأبنائنا وبناتنا خطوتهم المباركة نحو بناء أسر مستقرة، نرسل رسالة من أرض التاكا مفادها أن كسلا أثبتت بهذا المهرجان الجماهيري الحاشد أن صناعة الحياة والأمل تمضي جنباً إلى جنب مع معركة التحرير. ستظل كسلا صخرة تتكسر عليها كل المؤامرات، وواحة تتفجر منها قيم التكافل الإنساني، وسيبقى صمود المستنفرين وصبر أهلهم هو الوقود الذي يضيء طريق الاستقرار، ويؤسس لمستقبل سوداني مشرق ومحصن بقيم التكافل والكرامة.