بشارة جمعة أرو يكتب: بين تعقيدات الحرب واستحقاقات الحوار الحوار نافذة استراتيجية في إدارة الأزمة السودانية
” التعقيدات المتصاعدة التي تتناسل فيها الأزمات وتتسع فيها الاصطفافات الضيقة وتتراجع معها مساحات الحل تفرض الوقائع نفسها بما يجعل الحاجة إلى مسار عقلاني خياراً لا يحتمل التأجيل لوقف الانحدار التدريجي وإعادة ترتيب المشهد.”
تثبت تجارب التاريخ أن إطالة أمد الحرب في السودان لا تعني استمرار القتال فحسب بل تعني إنتاج واقع أكثر تعقيداً وتشابكاً تتبدل فيه الموازين وتتوسع فيه دوائر الاستقطاب والانقسام وتتداخل فيه الحسابات الوطنية مع الأجندات والتأثيرات الخارجية.
ومع مرور الوقت تتراكم التداعيات السياسية والإنسانية والأمنية والاقتصادية وترتفع الكلفة الوطنية بوتيرة متسارعة بينما تتراجع فرص الحلول والتسويات الناجعة.
فالحروب الممتدة لا تتوقف عند مستوى معين من العقبات بل تولد من داخلها أزمات متجددة بحيث تنتج كل أزمة أخرى أكثر تعقيداً واتساعاً فتتسع معه دوائر التعقيد بصورة تراكمية…، وكل تأخير في المعالجة يراكم مزيداً من التعقيدات الجيوسياسية حتى يصبح احتواء الصراع أو معالجته أكثر صعوبة وكلفة مما كان عليه في بداياته.
وعند هذه المرحلة لا يعود الصراع مجرد أزمة طارئة قابلة للاحتواء بل يتحول إلى واقع شديد الغموض والاستنزاف تتسع فيه دوائر التداعيات والسيناريوهات السلبية ويتهدد فيه تماسك الدولة والنسيج الاجتماعي ويُوضع مستقبل السودان أمام استحقاقات وتحديات أكثر عمقاً وصعوبةً وغموضاً.
وفي ضوء هذا الواقع المتشابك حيث تتوالد العقبات من بعضها البعض وتتراجع فرص المعالجات يبرز الحوار السياسي الجاد بوصفه مساراً عقلانياً لاحتواء الانحدار التدريجي وأقرب إلى الضرورة الوطنية منه إلى خيار سياسي أمام أي حسابات سياسية ضيقة باعتباره أحد المداخل الممكنة لكسر دائرة الاستنزاف وفتح أفق لتسوية سودانية أكثر شمولاً واستقراراً.
ومن هذا المنطلق فإن أي طرح للحوار يكتسب أهميته باعتباره نافذة استراتيجيةً لهندسة مسار الحل عبر مقاربة سودانية سودانية تستهدف معالجة الأزمة والحد من الاستنزاف الذي يطال التماسك الوطني وإعادة توجيه الجهود نحو بناء توافق وطني أوسع حول قضايا الحرب والسلام ومستقبل الدولة السودانية.
لقد أصبحت التسوية السياسية التاريخية ضرورة وطنية عاجلة وحتمية لا تحتمل التأجير، تفرضها ضرورات إنقاذ الوطن وحماية الدولة وصون وحدة المجتمع بعد أن ضاقت مسارات الصراع واتسعت كلفة الحرب وازدادت تعقيدات المستقبل.