رئيس جمعية الهلال الأحمر السوداني، د. عبد الرحمن بلال بلعيد لـ “العودة”:
استقلاليتنا “خط أحمر”، ولا نتبع لأي جهة سياسية أو عسكرية.
نهب 90 عربة وتخريب المخازن لم يثنِ “فزعتنا” الإنسانية في الولايات
نرفض تدجين لجاننا، ونعمل بجناحين “تشريعي وتنفيذي” لا يقبلان القسمة
نمضي في مراجعة مالية شاملة لاقتلاع جذور الفساد وإرساء قيم الشفافية.
800 ألف متطوع هم العصب النابض للجمعية في الميدان.
معركتنا القادمة هي إجازة قانون الجمعية وتحديث اللوائح لمواكبة الواقع الصعب.
أعيان وتجار يقودون العمل الرقابي ويدعمون الجمعية من مواردهم الخاصة.
لجيش المتطوعين أقول: أنتم ذخر السودان، وبسواعدكم سنبني ما دمرته الحرب.
حاوره: رمضان محجوب
في وقت تتقاذف فيه أمواج الحرب مصير السودان، يبرز الهلال الأحمر السوداني كـ “قشة غريق” في بحر من الأزمات. يقود الدفة في هذا الظرف الاستثنائي الدكتور عبد الرحمن بلال بلعيد، وسط حقل ألغام من التحديات الميدانية واللوجستية. بين دماء المتطوعين التي سالت ونهب المقدرات، تواصل الجمعية مد يد العون في كل أصقاع الوطن، متسلحة بـ “حياد الشارة” وعزيمة الشباب. في هذا الحوار الخاص لـ “العودة”، يفتح د. بلعيد قلبه ويكشف كواليس القرارات الصعبة التي أبقت الجمعية صامدة بين مطرقة الواقع وسندان الاستقلالية.
◼️ دكتور عبد الرحمن، نبدأ من الملف الإداري؛ كيف تُدار دفة الجمعية اليوم في ظل الظروف الأمنية المعقدة وتشتت الكوادر بين الولايات؟
= في الحقيقة، المكاتب الولائية اليوم تسير بطواقم “مختصرة” جداً؛ مدراء ومساعدون لا يتجاوز عددهم السبعة أو العشرة، بينما يقع العبء الثقيل كله على كاهل المتطوعين الذين نعتبرهم “الترس” الحقيقي للهلال الأحمر. لدينا 800 ألف متطوع منتشرين في كافة بقاع السودان، يعملون بعقيدة إنسانية مجردة، وهم من يسدون الثغرات ويواصلون الليل بالنهار لضمان استمرارية العمل رغم القصف والنزوح.
◼️ في ظل الصراع الحالي، كيف استطاعت الجمعية الحفاظ على “شعرة معاوية” بين الاستقلالية والعمل كجهاز مساعد للدولة؟
= نحن جمعية وطنية مساعدة للدولة في مجالات الصحة والإغاثة، وهذا دور معلوم عالمياً، لكن هناك خيط رفيع بين “الإسناد” و”التبعية”. والشهادة لله، لم تتدخل الحكومة في قراراتنا الفنية يوماً، ونحن نتمسك باستقلاليتنا “بأيدينا وأسناننا”. ننسق مع الأجهزة الرسمية، لكن شارتنا تظل مستقلة، وهذا ما سمح لنا بالعمل في مناطق ملتهبة دون أن نُحسب على طرف دون الآخر، ونحن نطالب الجميع باحترام هذه الخصوصية.
◼️ دفعتم ثمناً غالياً في هذه الحرب، هل هناك إحصائية دقيقة لشهداء وجرحى المتطوعين؟
= الوجع كبير؛ فقدنا 21 بطلاً من المتطوعين، ارتقوا شهداء أو فُقد أثرهم وهم يؤدون واجبهم بـ “المريلة” الرسمية. هؤلاء الشباب دفعوا حياتهم ثمنًا ،. ووفاءً لدمائهم، حرصنا في يومنا العالمي على تكريم أسرهم، فهذا أقل ما يمكن تقديمه لمن بذل روحه تحت لواء الشارة الحمراء.
◼️ بالنظر إلى حصاد العامين الماضيين، ما هي أبرز الأعمال الإنسانية التي نجحت الجمعية في تنفيذها رغم شح الإمكانيات؟
= رغم كل المعوقات، لم تنقطع إمداداتنا؛ حيث أوصلنا الدواء والغذاء لولايات بعيدة في ذروة العمليات العسكرية والنزوح. حفرنا الآبار وأصلحنا مرافق البيئة بجهود ذاتية وتنسيق مع شركاء مثل الصليب الأحمر الدنماركي، وغالباً ما يكون كادر الهلال الأحمر هو الوحيد المتواجد في الميدان حينما تغيب بقية المنظمات.
◼️ نريد توضيحاً لخارطة العمل الميداني؛ كيف تصل فرقكم للمواطنين في المناطق التي تقع خارج سيطرة الدولة؟
= بوصلتنا هي “المحتاج” أينما كان، ولا يعنينا من يسيطر على الأرض. متطوعونا يعملون بشعاراتهم الرسمية في كل المواقع، سواء في مناطق سيطرة الجيش أو الدعم السريع. نعم، تعرض شبابنا للاعتقال والتحقيق، وسُحبت سياراتنا بقوة السلاح، لكننا لم نتوقف. نحاول دائماً انتزاع احترام الجميع لنصل إلى المواطن المكلوم الذي ينتظرنا.
◼️ حماية الشارة أصبحت تحدياً جسيماً، كيف تتعاملون مع حوادث استهداف الطواقم الميدانية؟
= نحن نجهر بشكوانا دوماً من عدم احترام الشارة الحمراء، وقد أصدرنا بيانات واضحة وصريحة تؤكد أن متطوع الهلال الأحمر ليس طرفاً في العراك السياسي أو العسكري. استهداف الشارة هو استهداف لمنقذ المواطن البسيط، ورسالتنا لأطراف النزاع: “كفوا أيديكم عن المتطوعين، فهم رسل إنسانية لا يحملون غير الدواء والغذاء”.
◼️ ما هو حجم الخسائر التي طالت أصول الجمعية ومخازنها؟
= الخسائر تدمي القلب؛ فقد فُقدت أكثر من 90 سيارة دفع رباعي وآليات ثقيلة. المخازن لم تُنهب محتوياتها فحسب، بل تم اقتلاع أبوابها ونوافذها، وتُركت قاعاً صفصفاً. حتى مقرنا التاريخي في الخرطوم ناله نصيب من الخراب. نحن اليوم نكافح من مكاتب مؤجرة في أم درمان، وعيننا على إعادة إعمار ما دمرته الحرب لتعود الجمعية أقوى مما كانت.
◼️ بصفتك على رأس الهرم الإداري، ما هو أصعب قرار اتخذته منذ بداية الأزمة؟
= أصعب لحظة كانت قرار إعادة تشكيل اللجان الرقابية للفروع. كان هناك من يريد تغييب “العين الرقابية” لتنفرد الإدارة بالتنفيذ، وهذا خلل إداري فادح. الجمعية لا تسير إلا بـ “جناحين”: جهاز يشرع ويراقب، وجهاز ينفذ. اخترنا أعياناً وشخصيات لها وزنها الاجتماعي والمادي، فكانوا نِعم السند، بل ودفعوا من مالهم الخاص لتسيير العمل، مما أثبت أن الرقابة القوية هي حماية للجهاز التنفيذي وليست عائقاً له.
◼️ ونحن في عام 2026، ما هي الأولويات التي يضعها الدكتور عبد الرحمن بلعيد لمستقبل الجمعية؟
= أولويتي هي “ترتيب البيت من الداخل” وإكمال الإصلاح القانوني. نريد قانوناً مُجازاً يحمي الجمعية، ولوائح تواكب هذا الواقع المعقد. المراجعة المالية التي بدأناها في 5 ولايات ستستمر لتشمل الجميع، فلا مكان لفساد أو محاباة. هدفنا تحقيق العدالة بين الفروع؛ فالمكتب الذي تضرر وتواجد في “الخلاء” له الأولوية في الدعم والتعمير، والجمعية ستظل مفتوحة لكل سوداني غيور ونزيه.
◼️ أخيراً، ما هي رسالتك لجيش المتطوعين المرابطين في الميدان؟
= أقول لهم: أنتم “عزّنا” وفخرنا. ما تقومون به تحت أزيز الرصاص ليس مجرد عمل تطوعي، بل هو “ملحمة” إنسانية سيكتبها التاريخ. أدعو كل سوداني قادر أن يضع يده في يد هؤلاء الشباب. نحن باقون ما بقي هذا العطاء، وبسواعدكم سنبني السودان من جديد، فالهلال الأحمر كان وسيظل بيت كل السودانيين.