العصر الحجري قادم: قراءة في تهديدات ترامب النووية والخيارات الإيرانية بقلم: د. طاهر موسى الحسن

0 12

 

 

 

في خطاب متلفز بدا فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكأنه يخطب في جمهور من العاطلين عن العمل في سوق للخضار، جمع بين التهريج والتهديد والكذب المفضوح، أطلق الرجل أفظع التهديدات التي سمعتها المنطقة منذ حرب الخليج الأولى. لم يكن الخطاب الذي ألقاه دونالد ترامب يوم الأربعاء الأول من أبريل الجاري مجرد كلام عابر، بل كان بمثابة إعلان شبه رسمي عن نية الإدارة الأمريكية تصعيد الحرب إلى مستويات غير مسبوقة، ربما تصل إلى استخدام أسلحة غير تقليدية، تحت غطاء إعادة إيران إلى العصر الحجري.

بدأ ترامب خطابه بنفس نغمة الانتصار المعتادة التي يخدع بها شعبه، مدعيًا أن المهمة العسكرية في إيران نجحت نجاحًا ساحقًا، وأن الجيشين الأمريكي والإسرائيلي تمكنا من تدمير مصانع الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وأن طهران تعرضت لخسائر لم يشهدها أي عدو في التاريخ خلال أسابيع قليلة. وزعم أيضًا أن معظم قادة النظام الإيراني قد قُتلوا، وأن من تبقى منهم ليسوا “متطرفين أو عنيفين. لكن السخرية التي لا يمكن لأحد تجاهلها هي أن هذا الكلام صدر من رجل تعرضت قواعده العسكرية في المنطقة لضربات موجعة، واضطرت حاملات طائراته إلى الانسحاب بعد أن أصابتها صواريخ الحرس الثوري، ومضيق هرمز لا يزال مغلقًا بإحكام بزوارق إيران الحربية الخفيفة التي تسخر منه ومن أسطوله.

غير أن أخطر ما في الخطاب لم يكن هذه الادعاءات الكاذبة، بل الجملة التي أطلقها ترامب وكأنها نكتة عابرة، لكنها حملت في طياتها نذر كارثة حقيقية: سنعيد إيران إلى العصر الحجري خلال الأسابيع القادمة هذه العبارة، التي تستخدم عادة في الأدبيات العسكرية للإشارة إلى نية تدمير البنية التحتية بالكامل باستخدام أسلحة غير تقليدية، تضع المنطقة أمام سيناريوهين إثنين كلاهما مرعب.

* الأول: أن ترامب يجهز بالفعل لضربات نووية تكتيكية محدودة، تستهدف المنشآت النووية الإيرانية المحصنة تحت الأرض والتي اعترف ضمنيًا أنها لا تزال موجودة ومحمية، بعد أن كان يكذب على شعبه ويقول إنه دمرها في حرب الاثني عشر يومًا.

* * والثاني: أنه ينوي تطبيق سياسة الأرض المحروقة بقصف محطات الكهرباء والمياه والمصافي والموانئ، لإماتة البلد إكلينيكيًا وإجبار النظام على الاستسلام تحت وطأة الجوع والظلام. وكلا السيناريوهات، إذا تم اللجوء إليهما، فإن الرد الإيراني سيكون مدمرًا للجميع، فقد أعلنت طهران بوضوح أنها ستدمّر الأهداف نفسها في دول الخليج كلها، لتعود المنطقة بأسرها إلى العصر الحجري، وليس إيران وحدها.

الأخطر من التهديد نفسه هو أن ترامب بدأ في تهيئة الشعب الأمريكي لحرب طويلة ومكلفة، ربما تتضمن تدخلًا بريًا واسعًا، وذلك عندما استعرض في خطابه تاريخ أمريكا في الحروب العالمية وفيتنام، مشيرًا إلى أن تلك الحروب استمرت لسنوات طويلة قبل أن تحقق أهدافها. هذا الكذب المفضوح يتناقض بالكامل مع رواية الانتصار الساحق التي كان يروج لها قبل دقائق، ويكشف أن الرجل يعرف تمامًا أن الحرب خارجة عن السيطرة، وأن خياراته تضيق يومًا بعد يوم، وأنه لم يعد أمامه سوى التهديد بالكارثة الشاملة لعل وعسى أن يفلت من مأزقه. وكأنه يقول للشعب الأمريكي: اربطوا أحزمتكم، فنحن لم نبدأ بعد. وهو بهذا يعترف ضمناً أن كل ما قاله عن النصر كان مجرد بنج موضعي لامتصاص غضب الناس من ارتفاع الأسعار ومقتل الجنود، الذين اعترف بمقتل 13 منهم أمس فقط.

أما فيما يخص النفط ومضيق هرمز، فقد قدم ترامب نموذجًا فريدًا في التناقض والغباء الاستراتيجي. فبعد أن كان يستجدي حلفاءه الأوروبيين في خطابه السابق لفتح المضيق، عاد اليوم ليعلن أن أمريكا لا تحتاج إلى نفط العرب ولا إلى مضيق هرمز ، لأنها أصبحت تنتج نفطًا وغازًا أكثر من السعودية وروسيا. ثم رمى الكرة في ملعب حلف الناتو قائلاً: من يريد البترول فليفتح المضيق بنفسه أو يشتري منا كاش. بهذه العبارة، باع ترامب حلفاءه الذين كان يقسم لهم قبل أيام بأنه سيحميهم، وأعلن تخليه عن مسؤوليته الدولية، متناسيًا أن المضيق لم يغلق من فراغ، بل أغلقته إيران ردًا على حرب هو بدأها. وطبعًا، الأسواق التي أدركت أن الرجل لا يعرف ما يقول، ردت فورًا برفع سعر خام النفط إلى 105 دولارات للبرميل بعد أن كان قد انخفض قليلاً قبل الخطاب، في مؤشر على أن العالم لا يشتري كذبه ولا يصدق تهديداته الفارغة.

أما الرد الإيراني فكان سريعًا وحاسمًا، وكأنه كتب على رؤوس الصواريخ ردًا على كل جملة نطق بها ترامب. فبعد دقائق من انتهاء الخطاب، أطلق الحرس الثوري رشقة صاروخية وصلت إلى حيفا ووقعت في عدة مناطق، محدثة خسائر وإصابات، وأعادت صفارات الإنذار للعمل مجددًا. كما ترددت أنباء عن قصف صاروخي لقاعدة أمريكية في البحرين، في تأكيد أن إيران لا تزال تملك زمام المبادرة في الميدان، وأنها قادرة على الرد في أي لحظة وبأي قوة تريدها. هذه الضربات لم تكن مجرد رد عسكري، بل كانت رسالة واضحة للعالم مفادها أن من يملك إرادة القتال والصبر هو الذي ينتصر، وليس من يملك أكبر أسطول عسكري بينما جنوده يختبئون في الفنادق البعيدة عن الجبهات.

الخلاصة أن خطاب ترامب كان نموذجًا للكذب والتناقض والتهريج، لكنه حمل في طياته تهديدات حقيقية لا يمكن الاستهانة بها. تهديد بإعادة إيران الي العصر الحجري ليس مجرد كلام عابر، بل هو سيناريو يخطط له جنرالات البنتاجون منذ سنوات، وقد حان الوقت للاستعداد له. إننا أمام لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، قد نشهد خلال الأيام القادمة تطورات عنيفة غير مسبوقة، إما بضربات نووية تكتيكية، أو بحرب شاملة على البنية التحتية، أو بتوسع رقعة الصراع إلى دول الخليج بأكملها. والخيار الذي يتبقى للعقلاء في العالم هو الضغط على واشنطن لوقف هذا الجنون قبل فوات الأوان، وإدراك أن من يهدد بإشعال حريق لا يستطيع التحكم في لهيبه، وأن العصر الحجري الذي يهدد به ترامب إيران قد يطاله هو وحلفاءه قبل أن يطال غيره.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.