هاشم محمود ومشروعه السردي الإفريقي: الأدب بوصفه أفقًا لبناء وطنٍ يسع الجميع…د. فتح الرحمن يوسف _ أستاذ الأدب بالجامعات السودانية
تكشف رواية “عصا مقديشو” للروائي هاشم محمود والتي تعد آخر منتوج للكاتب عن مشروع سردي يسعى إلى إعادة تعريف النهضة الإفريقية عبر بوابة الحلم المعرفي، لا عبر الحنين الرومانسي للماضي، فالعصا ليست أداة سحرية، بل استعارة للإيمان بقدرة الإنسان على تحويل الألم إلى طاقة بناء، كما تقدم الرواية قراءة إنسانية للمنفى، تبرز أن الغربة ليست جغرافيا فحسب، بل شعورا داخليا قد يرافق الإنسان حتى في وطنه.
وبذلك تضع الرواية نفسها ضمن أدب يعيد مساءلة مفاهيم الوطن، الهوية، والنهضة، في سياق القرن الإفريقي المعاصر.
يشكل الروائي هاشم محمود نموذجا للكاتب صاحب القضية، إذ لا تتحرك نصوصه في فضاء الحكي المجرد، بل تتأسس على رؤية فكرية واضحة قوامها الإيمان بإفريقيا وطنا جامعا يسع أبناءه على اختلاف أعراقهم وأديانهم وإثنياتهم. فالتعدد في مشروعه ليس عامل تفتيت، بل طاقة كامنة للبناء، وأداة لتطوير المجتمع إذا ما أُحسن توظيفها ضمن خطابٍ يعترف بالآخر ويحتفي به.
لا تظهر إفريقيا في أعمال هاشم محمود مجرد خلفية جغرافية، بل تتبدى كهوية حضارية ومجالٍ للانتماء الكلي، إنه مفتون بتاريخ القارة السمراء، بنضالاتها الوطنية، وبرموزها التي واجهت الاستعمار والتبعية، ويجعل من السرد وسيلة لإعادة الاعتبار لهذا الإرث، ومن هنا يتجاوز مشروعه حدود القطرية إلى فضاء القرن الإفريقي، ساعيًا إلى صياغة وعيٍ ثقافي يتكامل فيه السودان والصومال وإريتريا وإثيوبيا وجيبوتي ضمن رؤية وحدوية إنسانية.
ينطلق الكاتب من مسلّمة فكرية مفادها أن الاعتراف بالتعدد العرقي والديني والإثني شرطٌ لبناء الدولة الحديثة، فبدل تحويل الاختلاف إلى صراع، يدعو إلى جعله مصدر إثراء ثقافي واجتماعي، ويظهر هذا التوجه في معالجته لقضايا اللجوء والتشرد، حيث لا يُختزل اللاجئ في صورة الضحية، بل يُقدَّم حاملًا لذاكرةٍ وخبرةٍ يمكن أن تسهم في إعادة بناء المجتمعات بالحوار والتفاهم ونبذ الخلافات.
يحضر الفضاء الجامعي في مشروع هاشم محمود بوصفه مؤسسة لتكوين الوعي، ففي مجموعته القصصية “شتاء أسمرا” يبرز دور جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا باعتبارها حاضنةً لتجارب شبابية تتشكل داخلها الأسئلة الكبرى حول الهوية والانتماء، وفي “عصا مقديشو” يتجلى حضور جامعة أفريقيا العالمية كصرحٍ علمي شامخ، تتكون فيه الشخصية الإفريقية المحبة للحياة والسلام والمودة، الجامعة هنا ليست مكانًا للتعليم فحسب، بل فضاءً لإعادة صياغة الذات الإفريقية على أسس معرفية وإنسانية.
تعد رواية “عصا مقديشو” ذروة التعبير عن مشروعه الأدبي، إذ تتحول العصا إلى رمزٍ للحلم الشعبي بوطنٍ متعافٍ، يستعيد عافيته عبر العلم والإرادة، الرمز عالي الكثافة الدلالية، يتجاوز البعد الديني إلى أفق نهضوي تكنولوجي، حيث يُبنى المستقبل على المعرفة لا على المعجزة، ومن خلال هذا الرمز، تتجلى صدق المشاعر وقوة الإرادة لدى الكاتب، الذي يرى في إفريقيا إمكانية للنهوض رغم الجراح.
يتناول هاشم محمود في أعماله أثر السياسات الغربية في تفتيت الأوطان الإفريقية، لا من منطلق خطابٍ دعائي، بل ضمن قراءة تاريخية لسياقات الاستعمار وما بعده، وما خلّفه من حدودٍ مصطنعة وصراعات داخلية، غير أن نقده لا يقف عند تحميل المسؤولية للآخر، بل يتجه إلى دعوة الداخل الإفريقي لإصلاح ذاته بالحوار والتوافق الوطني.
ليس هاشم محمود روائيا عابرًا، بل صاحب مشروع أدبي وثقافي متكامل، تتضافر فيه الرواية والقصة مع الرؤية الفكرية لتشييد خطابٍ إفريقي إنساني جامع، إنه يكتب بدافع الحب لهذه القارة، وبإيمانٍ عميق بقدرتها على تجاوز محنها التاريخية، واضعًا الأدب في خدمة بناء وطنٍ يسع أبناءه جميعًا، ويحوّل التعدد إلى قوة، والحلم إلى برنامج عمل.