ليست القضية ادعاء صلة تنظيمية، ولا محاولة للمساواة بين وقائع جنائية مختلفة، وإنما قراءة في المدرسة الذهنية والسلوكية التي أنتجت نماذج متشابهة في إدارة النفوذ والسلطة، رغم اختلاف السياق والمكان.
جيفري إبستين لم يكن مجرد شخص، بل كان تعبيرًا عن منظومة: دائرة مغلقة من العلاقات، حماية متبادلة، خطاب أخلاقي موازٍ للسلوك الحقيقي، وإحساس دائم بأن القانون يُطبَّق خارج الدائرة لا داخلها.
وبهذا المعنى، فإن شِلّة المزرعة التي تشكّلت في عهد قحت يمكن فهمها بوصفها نتاجًا لذات المدرسة، ولكن في نسخة سياسية محلية.
هذه المدرسة لا تُدرِّس الجريمة بوصفها فعلًا مباشرًا، بل تُدرِّس العقلية:
تقليص الدولة إلى شبكة علاقات،
إضعاف المؤسسية لصالح الشللية،
وتحويل الشعارات الكبرى إلى أدوات إقصاء وحماية ذاتية.
لم تحتج شِلّة المزرعة إلى جزيرة معزولة في البحر، بل صنعت جزيرتها داخل العاصمة، حيث أُغلقت دوائر القرار، واحتُكرت الأخلاق، وتم التعامل مع السلطة بوصفها امتيازًا لا مسؤولية.
في نموذج إبستين، كانت الرذيلة تُدار بالصمت والملفات.
وفي نموذج شِلّة المزرعة، اتخذت الرذيلة شكلًا سلوكيًا وسياسيًا:
رذيلة الكذب باسم الثورة،
رذيلة الإقصاء باسم الطهورية،
ورذيلة الاستعلاء على المجتمع من موقع الوصاية الأخلاقية.
لم تكن الرذيلة هنا بالضرورة جسدية، بل كانت رذيلة ممارسة عامة:
الاستخفاف بالرأي العام،
إدارة الدولة من الصالونات،
وتطبيع الانحراف السياسي ما دام صادرًا من داخل الدائرة “الموثوقة”.
جيفري إبستين اختبأ طويلًا خلف العمل الخيري.
وشِلّة المزرعة اختبأت خلف خطاب الانتقال الديمقراطي.
والقاسم المشترك أن القناع كان دائمًا أسبق من الفعل.
حين سقطت جزيرة إبستين، لم تسقط لأن الرذيلة وُجدت، بل لأن ما كان مخفيًا خرج إلى الضوء.
وحين تهاوى نموذج شِلّة المزرعة، لم يكن السبب خطأً عابرًا، بل انكشاف بنية كاملة لا تصلح لإدارة دولة.
وخاتمة القول
ورغم ذلك، تبقى الأسئلة مفتوحة، ولم تُسدل الستائر بعد.
فالأيام وحدها كفيلة بكشف ما كان يُمارَس داخل “المزرعة”، وما دار في الغرف المغلقة بعيدًا عن أعين الناس.
فالحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تضيع.
التاريخ لا ينسى،
والسلطة لا تحتفظ بأسرارها إلى الأبد.
ومن يراهن على النسيان، يسيء فهم الزمن.
وغدًا لناظره قريب.
تاج السر محمد عل
2 فبراير 2026