ثغرات في زمن الحرب

بقلم: عوض الله نواي* *مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

*بقلم: عوض الله نواي*

*مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلا*

في زمن الحرب، لا تكفي الشجاعة في الميدان ولا الصمود في الخنادق، فالتخطيط الاستراتيجي هو ما يحدد كفة المعركة، ويفصل بين دولة تعرف كيف تدير أزماتها، وأخرى تكتفي بردود الأفعال. ولسوء الحظ، يبدو أن الدولة السودانية – في لحظات حرجة كهذه – ما تزال تدفع فواتير الإهمال الإداري، والتخطيط المرتبك، وغياب الرؤية الاستباقية.

 

المشهد في بورتسودان، المدينة الساحلية التي أُريد لها أن تكون البديل المؤقت لعاصمة منهكة بالحرب، بات مرعبًا. مستودعات الوقود الضخمة، التي أنشأتها شركات حكومية كبرى لتأمين الإمداد الحيوي، اشتعلت فيها النيران كأنها كانت تنتظر لحظة الانفجار. والمثير للدهشة أن هذه الشركات لم تكن تملك أبسط أدوات مكافحة حرائق المواد البترولية، وفي مقدمتها غاز الكربون المُستخدم في الإطفاء الفوري لمثل هذه الحرائق.

 

ومع تصاعد النيران، تصاعدت الحيرة أيضًا. لجأت الجهات المسؤولة إلى التواصل مع شركات سعودية للمساعدة في عمليات الإطفاء، وكأن إدارة الأزمة أصبحت “استيرادًا للحلول” حتى في لحظة احتراق الداخل. لكن الدخان ظل يتصاعد، والأبخرة السامة ظلت تغزو سماء المدينة، تتغلغل في الرئتين، وتخنق المصابين بـ(الربو) و(الحساسية)، وتكشف ثغرةً خطيرة في بنية دولة تخوض حربًا دون مظلة حماية داخلية.

 

ما حدث في بورتسودان ليس حدثًا طارئًا، بل مؤشر لفشل مركزي في فهم طبيعة الحرب الحديثة. فمليشيا الدعم السريع، التي باتت تستهدف البنية التحتية كجزء من استراتيجيتها، لا تهاجم فقط المواقع العسكرية، بل تضرب في عمق الاقتصاد ومقومات الدولة. ومع ذلك، لم تُحدّث المؤسسات الحكومية أدواتها، ولم تُراجع خطط الطوارئ، وكأنها تعيش في عزلة عن مجريات الحرب.

 

عندما تم إنشاء هذه المستودعات الحديثة، ألم يكن من الأجدر التفكير في سيناريو الاستهداف المباشر؟ ألم يكن من الضروري تدريب فرق الإطفاء، وتجهيز المخزون المناسب من أدوات مكافحة الحرائق؟ نحن لا نتحدث عن رفاهية هندسية، بل عن أساسيات السلامة الصناعية، التي لا تحتاج إلى ذكاء اصطناعي ليتنبأ بها، بل إلى قدر يسير من الحس الوطني والانتباه للمخاطر المتوقعة في بلد تمزقه حرب لا تبقي ولا تذر.

 

هذه الواقعة تفتح الباب على مصراعيه لسؤال أكبر:

إلى متى ستظل الدولة السودانية تدار بسياسة رد الفعل؟

إلى متى سنكتشف أن منشآت الدولة الكبرى لم تُحصّن، ولا تُدار وفق خطط طوارئ تتناسب مع واقع بلد يخوض حربًا مركبة؟

وإلى متى سنُصاب بالدهشة كلما وقعت كارثة، وكأن المفاجآت قدرٌ لا فكاك منه؟

 

*في زمن الحرب، لا يغفر التاريخ للمهملين، ولا يعفي الخطر أحدًا. التخطيط ليس ترفًا، بل ضرورة وجود.*

مسيرات بورتسودان
Comments (0)
Add Comment