بشارة جمعة أرور … يكتب: المنهج المُمعن في التشبث بالسلطة

 

 

_______________

حين تُحتكر السلطة وتتحول إلى غاية في ذاتها

_______________

 

” يُقال في المثل الشعبي: (سلطة للساق ولا مال للخناق) في إشارة إلى حدة التنافس حول السلطة واحتدام الصراع عليها وطبيعة التنازع الشديد حولها، غير أن المشكلة لا تكمن في السعي إلى السلطة أو الوصول إليها وتولي مقاليد الحكم وإنما في احتكارها وتحويلها من وسيلة لإدارة شؤون الدولة وخدمة المجتمع إلى غاية تُحتكر لذاتها وتُسخر لها كافة الوسائل ويُدافع عنها بأي ثمن إذ تتحول من تكليف ومسؤولية إلى غنيمة يُتشبث بها فعندما تُصبح السلطة هدفاً قائماً بذاته ينقلب منطق السياسة من فن إدارة الدولة إلى صراع مفتوح على البقاء في الحكم وامتلاكها فتبدأ الدولة تدريجياً بفقدان توازنها المؤسسي حتى تتآكل من الداخل وتستمر رحلة تآكل المؤسسات وتتراكم أسباب الانقسام حتى يؤول الانفجار إلى نتيجة طبيعية لمنهج ممعن في التشبث بالسلطة.”

 

هنالك جهات انتهى بها الحال إلى تبني فكرة الاحتفاظ بالسلطة من مجرد ممارسة سياسية إلى عقيدة راسخة تحكم التفكير والسلوك فلم يعد الأمر يتعلق بتجربة حكم قابلة للتقييم أو بمرحلة سياسية يمكن أن تنتهي بتداول طبيعي للسلطة وإنما أصبح حالة ذهنية متجذرة في الفهم والسلوك معاً ومنظومة فكرية ونفسية متكاملة تجعل من السلطة غاية لا وسيلة لتحقيق مصالح الوطن وخدمة المواطنين.

 

وبناءاً على ذلك، أصبحت السلطة تُطلب وتُسخر من أجلها أدوات السياسة والاقتصاد والإعلام والمجتمع حتى غدا هوس التسلط والهيمنة عند بعض القوى روحاً تحكم المنهج كله وتتسلل إلى تفاصيله الدقيقة وتعيد إنتاج نفسها مع كل مرحلة تاريخية جديدة مهما تبدلت الظروف وأفضت إلى واقع جديد.

 

ولم يكن هذا المنهج حكراً على نظام بعينه أو مرحلة سياسية محددة بل ظل يتكرر بأشكال مختلفة كلما غلبت المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية، فحين تتحول الزعامة إلى إرث يُورث والقيادة إلى احتكار يُعاد إنتاجه ويغيب التداول الحقيقي للنخب السياسية في مواقع السلطة ومراكز القرار والنفوذ داخل الدولة، فيرتهن المشهد السياسي لهيمنة الوجوه ذاتها والأسماء نفسها، فتتبدل الحكومات وتتغير التحالفات والشعارات بينما تظل كثيراً من مراكز النفوذ تدور في الفلك ذاته وكأن السلطة امتياز دائم لا مسؤولية وطنية تُتداول بين الكفاءات…،فيُحرم الوطن من التجديد وتتراكم أسباب الانقسام والصراعات والمشكلات والأزمات حتى يصبح الانفجار نتيجةً حتميةً متوقعة…

 

ولم يقتصر هذا المنهج على كونه تصوراً فكرياً أو نزعة سياسية وإنما تجسد عملياً في منظومة متكاملة من السياسات والممارسات الهادفة إلى تكريس البقاء في الحكم وإدامة الهيمنة وإحكام السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها، ومن أبرز هذه الممارسات اللجوء إلى تعديل الدساتير والقوانين بما يتيح تمديد فترات الحكم أو تفكيك القيود الضامنة للتداول السلمي للسلطة إضافة إلى تعطيل الانتخابات أو تأجيلها بصورة متكررة كلما اقتضت ضرورات البقاء في الحكم ذلك.

 

واحتكار القرار السياسي وحصره في شخص أو دائرة ضيقة مع تهميش المؤسسات الدستورية وتحويل الأجهزة التنفيذية والإدارية والأمنية إلى أدوات لحماية السلطة بدلاً من أداء رسالتها في خدمة الدولة والمجتمع.

 

وتتجلى أيضاً ظاهرة ” العودة عبر بوابات مختلفة ” حيث يتم مغادرة المنصب سواء بالإقالة أو الاستقالة أو بغير ذلك من الصيغ بصورة شكلية ثم العودة إليه أو إلى موقع قريب منه يتمتع بنفس مستوى النفوذ والتأثير بما يعكس أن الخروج من السلطة لا يعني عملياً فقدانها بل قد يكون مجرد إعادة تموضع داخل دائرة النفوذ ذاتها.

 

كما يتجسد هذا المنهج في السيطرة على المجال الإعلامي وتقييد حرية التعبير بما يحد من النقد ويكرس رواية أحادية للأحداث والوقائع وتوظيف الموارد العامة لتعزيز الولاءات السياسية بدلاً من توجيهها لخدمة المجتمع وتحقيق المصلحة الوطنية وتوسيع شبكات المحسوبية والزبائنية حتى يصبح الولاء معياراً للتعيين والترقية وتوزيع الفرص والمنافع على حساب الكفاءة والاستحقاق، وتحويل الوظيفة العامة إلى بنية نفوذ وشبكة مصالح متحركة وممتدة يُعاد عبرها توظيف الموقع الرسمي لبناء علاقات تأثير متداخلة وإدارة المصالح وخلق شبكة الولاء الشخصي التي تتمحور حول شاغل المنصب لا حول المؤسسة بما يؤدي إلى إعادة تشكيل مفهوم الولاء داخل الدولة حتى يصير المنصب مركز قوة شخصية ذاتية لا موقع مسؤولية عامة ولا أداة لخدمة المصلحة المؤسسية.

 

ولا تقف مظاهر هذا المنهج عند حدود البقاء الشخصي في المنصب بل تمتد إلى إعادة إنتاج النخبة الحاكمة بأدوات وصيغ مختلفة سواء عبر الوراثة السياسية أو تدوير المواقع أو تبادل الأدوار داخل الدائرة بحيث تتغير المواقع الرسمية بينما يبقى مركز القرار والنفوذ في الإطار المرسوم الأمر الذي يحد من تجدد القيادات ويُضعف فرص الإصلاح المؤسسي.

 

ويأتي إلى جانب ذلك إضعاف استقلال القضاء والهيئات الرقابية بما يحد من قدرتها على أداء وظائفها الدستورية في الرقابة والمساءلة وإنفاذ سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات ويُضعف أسس العدالة وسيادة المؤسسات، الأمر الذي يفضي إلى زعزعة منظومة العدالة وترسيخ ثقافة الإفلات من المساءلة والمحاسبة وخلق حالة دائمة من الاستقطاب أو الأزمات لتبرير استمرار الإجراءات الاستثنائية وتعزيز القبضة على مفاصل الدولة فضلاً عن توظيف الخطاب السياسي لتصوير بقاء السلطة باعتباره الضامن الوحيد للاستقرار وربط أي تغيير سياسي بالفوضى أو الانهيار بما يرسخ الخوف من التغيير ويضعف الثقة في البدائل.

 

ولذلك فإن احتكار السلطة لا يبدو مجرد خلل في إدارة الحكم بل يمثل خروجاً على قوانين الاجتماع البشري وقوانين تطور الدول واستقرارها والسنن الحاكمة لقيام الدول ونواميس نشأتها وبقائها؛ فالمجتمعات التي تغلق أبواب التداول وتجديد النخب تستهلك طاقاتها الذاتية وتتحول فيها المنافسة على خدمة الوطن إلى صراع على امتلاك السلطة فتضعف المؤسسات وتتآكل الثقة العامة ويصبح الانفجار حتمياً كلما زاد رسوخ الاحتكار.

 

إن إصلاح الدولة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم وإنما يبدأ بتغيير المنهج الذي يحكم إدارة السلطة لأن الأفراد يرحلون أما المناهج فتبقى وتعيد إنتاج نفسها ما لم تُراجع وتُفكك.

ومن ثم فإن بناء دولة مستقرة يقتضي ترسيخ ثقافة التداول السلمي للسلطة وتجديد النخب السياسية الحاكمة وتعزيز استقلال المؤسسات حتى يصبح الولاء للوطن والدستور والقانون مقدماً على الولاءات الشخصية أو الحزبية أو الفئوية.

 

ولذلك فإن المنهج القائم على التشبث بالسلطة لم ينشأ صدفة ولم يكن وليد لحظة سياسية بل هو امتداد لمسار طويل من الفهلوة السياسية والمناورات الأيديولوجية الملتبسة والإمعان في احتكار مقاليد الحكم وإعادة إنتاجها حيث تُستبدل الفكرة الوطنية الجامعة بمنطق السيطرة ويُقدم البقاء في كرسي السلطة على حساب بناء الدولة وترسيخ قواعد تماسكها المؤسسي وتنقلب السياسة من رسالة لإدارة الشأن العام وخدمة المجتمع إلى ساحة مفتوحة للمناورة والمراوغة في إعادة توزيع النفوذ وإحكام القبضة على مفاصل الدولة وإقصاء المنافسين ولو كان الثمن إنهاك مؤسساتها واستنزاف المجتمع وإضعاف مقدراته وتبديد مستقبله.

 

ولم يعد منهج الإمعان في التشبث بالسلطة واحتكارها يكتفي بإدارة الواقع بل أصبح يعيد تشكيله وفق مقتضيات البقاء في الحكم فتدرج من محاولات التمكين الناعم إلى إدارة التوازنات الهشة ثم إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها باعتبارها أدوات لإطالة عمر السلطة لا مشكلات تستوجب الحل وبذلك أصبحت الأزمات جزءاً من آلية الحكم وصار واضحاً أن جانباً كبيراً من الأزمة السودانية لم يكن ناتجاً عن ضعف الإدارة أو قصور الكفاءة فحسب وإنما عن أزمة منهج يحكم العقل السياسي، الذي يقدم تغليب الولاء على الكفاءة والسيطرة والهيمنة على الأمن والاستقرار ويستبدل المؤسسات الراسخة بشبكات الولاءات والمصالح الضيقة حتى تآكلت الدولة من الداخل وضعفت قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.

 

ومن هنا يمكن فهم الكيفية التي تراكمت بها الأزمة السودانية حتى بلغت ذروة انفجارها في حرب الخامس عشر من أبريل فهذه الحرب لم تكن حدثاً منفصلاً عن سياقها ولا واقعة طارئة هبطت على المشهد من خارج مقدماته، بل كانت حصيلة حتمية لنهج ممتد من السياسات الخاطئة والاختلالات البنيوية المتجذرة والتي تراكمت بصمت وتغذت على ضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة وغياب المرجعية الوطنية الجامعة وتآكل مفهوم المؤسسة لصالح الأشخاص ومراكز النفوذ حتى أصبح الصدام بين تلك القوى أمراً مؤجلاً لا أكثر بعد أن تحولت العلاقة بينها من شراكة في إدارة الدولة إلى صراع على امتلاكها والتحكم في قرارها ومستقبلها.

 

وعندما وصلت الدولة إلى تلك المرحلة كان الانفجار أقرب إلى الحتمية منه إلى الاحتمال لأن المنهج الممعن في التشبث بالسلطة لم يفسح مجالاً حقيقياً للتداول السلمي للسلطة ولم يؤمن بتنظيم انتقالها وفق قواعد مؤسسية مستقرة وإنما ظل يؤجل التناقضات ويُراكم أسباب الصراع ويُغذي الاحتقان السياسي والاجتماعي حتى تفجرت الأزمات دفعةً واحدة وهذا ما شهدناه في الخامس عشر من أبريل حين خرجت التوترات الكامنة من المجال السياسي المغلق إلى ميدان الحرب المفتوحة لينتقل السودان إلى مرحلةٍ غير مسبوقة لم يعد فيها الصراع مجرد تنافسٍ على الحكم بل تحول إلى صراع عروش وأطماع وحرب بالوكالة لمصالح محاور إقليمية ودولية حتى صار يمس طبيعة الدولة نفسها ووجودها ووحدتها ومستقبلها.

 

وكانت تداعيات هذا الانفجار بالغة الفداحة والقسوة بحيث تجاوزت الميدان العسكري إلى سائر مناحي الحياة العامة فعصف الدمار بمؤسسات الدولة واجتاح التفكك أركانها وانهارت قطاعات حيوية واسعة من الخدمات الأساسية وتعرضت البنية التحتية لدمار كبير وشامل واتسعت موجات النزوح واللجوء بصورة كارثية غير مسبوقة وتراجع الاقتصاد إلى مستويات خطيرة غير أن الأخطر من كل ذلك كان ما أصاب النسيج الاجتماعي من تصدعات وتهتك وما أصاب الوجدان الوطني من اهتزاز وتفتت حتى وجد المواطن نفسه في كثيرٍ من المناطق أمام واقع تتراجع فيه هيبة الدولة وقدرتها على الحماية لتحل محلها مشاهد الفراغ والفوضى والانقسام وعدم اليقين.

 

ومع ذلك فإن الحرب ليست سوى المظهر الأكثر عنفاً للأزمة أما جذورها العميقة فتتمثل في البنية الفكرية والسياسية التي أنتجت هذا الواقع المرير وفي غياب مشروع وطني جامع يستوعب تنوع السودان ويحوله إلى مصدر قوة لا إلى سبب للصراعات والحروب وفي استمرار عسكرة السياسة والخدمة المدنية وتسييس المؤسسة العسكرية وفي غياب العدالة في توزيع السلطة والثروة وترسيخ فلسفة التمكين والإقصاء بدلاً من فلسفة المشاركة والتكامل في بناء الدولة وصون الوطن والتعاون في حمايته، وهي جميعها عوامل أسهمت في إنتاج بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة.

 

إن معالجة آثار الحرب مهما بلغت أهميتها وضرورتها لا يمكن أن تكون كافية ما لم تترافق مع معالجة الجذور الفكرية والسياسية والمؤسسية التي أنتجت الأزمات وأوصلت الدولة إلى لحظة الانفجار فالحروب ليست في جوهرها أحداثاً منفصلة أو ظواهرَ معزولة عن سياقها وإنما هي المآل الطبيعي لمسارات طويلة من الاختلالات البنيوية والانحرافات المتراكمة في إدارة الدولة والسلطة ولذلك فإن إيقاف صوت البنادق لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب الصراع ما لم يُفكك المنهج الذي أنتج الأزمة وتبدأ عملية إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تقوم على المؤسسات الراسخة والتداول السلمي للسلطة وسيادة حكم القانون.

 

إن الخروج من هذا المأزق والنفق المظلم لا يمكن أن يتحقق بحلول جزئية أو بتسويات سياسية مؤقتة ولا بإعادة توزيع السلطة بين الأطراف المتصارعة لأن الأزمة في حقيقتها ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة منهج ووعي وفهم…، لذلك فإن المطلوب هو إعادة تأسيس شاملة للدولة السودانية تبدأ بإعادة تعريف الدولة باعتبارها مؤسسة وطنية محايدة تعلو على الجميع لا ملكاً لفئة أو جماعة، وترتكز على دستور يحكم الجميع دون استثناء، ومؤسسات قوية ومستقلة تضبط العمل العام، وإصلاح جذري للقطاع الأمني والعسكري يقود إلى جيش قومي مهني واحد يحتكر السلاح والعنف في إطار الدولة وإرساء تحول ديمقراطي حقيقي يقوم على التداول السلمي للسلطة وسيادة حكم القانون وعدالة انتقالية تنصف الضحايا وتعالج آثار الانتهاكات وتداعياتها المتراكمة وعقد اجتماعي جديد يعيد صياغة العلاقة بين جميع مكونات المجتمع السوداني على أساس المواطنة المتساوية إلى جانب تفكيك المنهج الذي جعل من التشبث بالسلطة أساساً للحكم، لأنه المنهج الذي ظل على امتداد عقود طويلة يُولد المشكلات ويُؤجج الصراعات ويُثير الفتن ويُغذي الأزمات فلا يكتفي بإيجادها بل يمدها بأسباب الاستمرار والتفاقم فتتجدد في كل مرحلة بأشكال وصور مختلفة.

 

في نهاية هذا المشهد العاصف والمثقل بالأزمات يمكن القول إن السودان لا يواجه اليوم حرباً ضروساً وأزمات سياسية فحسب بل يواجه في جوهره فكرة هيمنة السلطة حين تُحتكر وتصبح غايةً في ذاتها بعد أن كان يفترض أن تكون وسيلةً لبناء الدولة وتحقيق مصالح المواطنين وعندما يتحول الحكم من تكليف ومسؤولية وطنية إلى غنيمة سياسية ويُختزل الوطن في دائرة ضيقة من المصالح فيصبح الانفجار نتيجة طبيعية لا استثناء ويغدو الحديث عن السلام حينها حديثاً مبتوراً ما لم يبدأ أولاً بتفكيك المنهج الذي أنتج الحرب لا الاكتفاء بإيقافها وإنهائها فذلك المنهج الممعن في التشبث بالسلطة ظل لعقود يعيد إنتاج المأساة السودانية في صور وأشكال مختلفة حتى بلغت ذروتها في حرب الخامس عشر من أبريل وما تزال تداعياتها تلقي بظلالها الثقيلة على حاضر الوطن ومستقبله الأمر الذي يجعل إعادة بناء الدولة على أسس جديدة أساسها وقوامها المواطنة والمؤسسات الراسخة وسيادة حكم القانون والتداول السلمي للسلطة ضرورةً لا تقبل أنصاف الحلول إذا أُريد للسودان أن يخرج من دوامة الأزمات المتكررة إلى آفاق الدولة المستقرة والعادلة.

Comments (0)
Add Comment