قراءة في فلسفة التاريخ وسقوط الأمم…. بقلم / دكتور الطاهر موسي الحسن

 

في مقاله الوازن والعميق عندما تموت الدول وهي تبتسم، يضعنا الكاتب أدهم شرقاوي أمام مرآة التاريخ الصادمة، مستدعيًا السنن الكونية التي لا تحابي أحدًا. المقال ليس مجرد سرد بكائي على أطلال روما أو بغداد أو قرطبة، بل هو مبضع جراح يفكك به أوهام القوة المعاصرة، ليؤكد حقيقة أزلية: الأمم لا تموت بضربة خارجية مفاجئة، بل تبدأ بالتحلل من الداخل حين تفقد بوصلتها الأخلاقية وتكفر بفكرتها التأسيسية.

تنطلق الرؤية التاريخية في المقال من تفكيك مفهوم القوة العسكرية والمادية، فالإمبراطوريات لا تسقط لأن البرابرة أو الغزاة كانوا خارقين، بل لأن الأمة المستهدفة تكون قد أفرغت من محتواها القيمي. عندما

يصبح القمح أهم من الشرف في روما، والسيف زينة على الجدار في بغداد، والاستعانة بالعدو على الأخ سياسة في أندلس الطوائف، فإن الجسد يكون قد مات سريريًا بالفعل، وما الغزو الخارجي إلا مجرد مراسم دفن لخلل بنيوي استمر لسنوات.

العبرة الأبرز التي يسوقها المقال تكمن في إسقاط هذه السنن على الواقع المعاصر، وتحديدًا على القوتين الأخطر في عالمنا اليوم: الولايات المتحدة الأمريكية، والكيان الإسرائيلي.

في الحالة الأمريكية، يبدو المشهد سرياليًا؛ قوة عسكرية واقتصادية جبارة تهيمن على العالم، لكنها من الداخل تتآكل بفعل الاستقطاب السياسي الحاد، والشرخ الاجتماعي، والتهافت القيمي، حيث يطغى بريق السوبر بول السوبر بول (Super Bowl) هو المباراة النهائية السنوية لبطولة كرة القدم الأمريكية (NFL)، والذي يُعد الحدث الرياضي الأكبر والأكثر متابعة في الولايات المتحدة) على أزمات إنسانية طاحنة في الداخل. إنه ذات المشهد الروماني القديم يتكرر بأدوات تكنولوجية حديثة.

أما في القراءة المفصلة للكيان الإسرائيلي، فيضع المقال يده على مكمن الداء السيكولوجي والوجودي لهذا المشروع. إن امتلاك الترسانة النووية والتفوق التكنولوجي لا يمنح شرعية البقاء والاستمرار إذا كانت الفكرة نفسها قائمة على الظلم والاستعمار الاستيطاني. عندما يتحول المجتمع إلى مجرد نزلاء فندق يبحث ثلثهم عن جوازات سفر بديلة للهروب عند أول بادرة خطر، فإننا نتحدث عن غياب تام لعمق الانتماء والأمان الوجودي. الخوف من نفق رغم امتلاك الترسانة هو الدليل القاطع على أن الرعب يسكن القلوب لا القلاع، وأن نبوءات السقوط والثمانين عامًا ليست مجرد هواجس، بل قراءة واعية لسنن التاريخ التي تؤكد أن كل قوة بلا عدل هي حطب لنارها.

إن الخلاصة المركزية التي يجب أن نتوقف عندها مليًا هي أن الدول لا تسقط يوم تنهزم جيوشها.. بل تسقط يوم تنهزم فكرتها.

حين يتحول القضاء إلى تجارة، والتعليم إلى وظيفة روتينية خالية من الرسالة، والوطنية إلى مجرد انتهازية، يصبح السقوط حتمية تاريخية لا مفر منها. إنها السُنّة الكونيه التي تجعل من الطغاة العِبرة لمن يعتبر، وتذكرنا بأن القوة الحقيقية ليست في ضخامة الجيوش ولا في استعراضات العضلات، بل في العدالة، والاتساق الأخلاقي، وتحصين الجبهات الداخلية من التآكل.

مقال الأستاذ أدهم شرقاوي ليس مجرد قراءة في الماضي، بل هو ناقوس خطر يُدق في الحاضر، وتحذير لكل القوى التي تظن أنها الاستثناء، فالتاريخ لا يغير قواعده لأحد، والسقوط التدرجي للأمم متى ما بدأ… لا صوت له.

Comments (0)
Add Comment