الخبير الاقتصادي د. محمد الناير في حوار “الذهب مقابل الوقود” للعودة :

 

 

 

 

القرار ينهي فوضى تعدد شركات استيراد المحروقات

 

الشركات الهلامية تمارس السمسرة والمضاربة وتهدد الاستقرار التمويني

 

نظام الربط الإلكتروني المشترك يوفر حماية كاملة لمنع التلاعب

 

حصر الاستيراد في شركات مؤهلة ومقتدرة خيار استراتيجي لدعم الاقتصاد

 

اشتراط 200 كيلوجرام ذهب كضمان عيني يقدم لمرة واحدة فقط

 

التدبير النقدي الجديد يمتص صدمات الطلب المتزايد على النقد

 

احتكار الحكومة لاستيراد السلع الاستراتيجية ينهي مضاربات السوق الموازي

 

إيداع الذهب بالمصفاة يعني تسليمه مباشرة للبنك المركزي

 

دخول الدولة مستورداً محورياً يمنع فرض أي أسعار احتكارية

 

شراء الذهب محلياً بواسطة العملة الوطنية يحد من التهريب

 

الدولة ملتزمة قانوناً وأخلاقاً بتأمين استقرار تدفق الإمداد النفطي

 

 

حاوره :رمضان محجوب

 

وسط تعقيدات المشهد الراهن والمخاوف المتصاعدة من ركود الأسواق، يضع الخبير الاقتصادي د. محمد الناير النقاط على الحروف بشأن القرارات النقدية الأخيرة. وفي هذا الحوار التخصصي الشامل، يفكك الناير أبعاد معادلة “الذهب مقابل الوقود”، موضحاً طبيعة الضمانات العينية والحوكمة الرقمية، ومتناولاً بجرأة آليات حسم فوضى الشركات الطفيلية، وسيناريوهات التدخل المباشر للدولة كمسؤول أول عن تأمين السلع الاستراتيجية، بما يكفل لجم السوق الموازي وحماية القيمة الشرائية للعملة الوطنية.

 

 

 

▪️ هل يملك المركزي احتياطياً كافياً من الذهب لإدارة مقايضة الطاقة دون إحداث ركود بالأسواق؟

= في الأزمات الاستثنائية، تحجب البنوك المركزية عادةً الأرقام القطعية لالتزاماتها وااحتياطياتها السيادية، غير أن المؤشرات الراهنة تؤكد امتلاك الدولة لشبكة علاقات وصلات دولية قوية تتيح لها تجاوز أساليب الشراء التقليدية من عرض البحر، مثلما تعكسه الشراكات الاستراتيجية الكبرى كنموذج شركة “أرامكو”، وهو ما يمكن الدولة من فرض معايير استيراد منضبطة تؤمن تدفق المشتقات النفطية بأسعار تفضيلية ومناسبة، تقل كثيراً عن كلفة الأسعار الحالية أو الهوامش الربحية العالية التي تفرضها الشركات الخاصة عبر مسارات استيرادها المعقدة.

▪️ لماذا اختار البنك المركزي مصفاة الذهب تحديداً لتكون الحارس الأول لأذونات استيراد المشتقات البترولية؟

= اختيار المصفاة الوطنية يرتكز على كونها الجهة الفنية الحصرية المؤهلة لفحص الذهب، وتدقيق الجودة، واعتماد العيارات القانونية بدقة عالية، فضلاً عن امتلاكها للأجهزة والمعدات التخصصية اللازمة؛ وبناءً على ذلك, فإن المصفاة تمثل الذراع الفني والمالي لبنك السودان المركزي، وإيداع كميات الذهب المحددة بـ (200) كيلوجرام لديها يعد قانونياً تسليماً مباشراً وخالصاً لخزينة البنك المركزي، وما المصفاة إلا معبر فني وإجرائي لتوثيق تلك الضمانات العينية وتأمينها.

▪️ هل ينهي قرار الضمان العيني عهد الشركات الطفيلية أم سيخلق احتكاراً لـ خمس شركات رأسمالية؟

= إن إنهاء فوضى تعدد الموردين التي تجاوزت (40) شركة لم يستفد منها المستهلك أو الاقتصاد الوطني، بات ضرورة ملحة؛ وحصر عمليات الاستيراد في عدد محدود من الشركات المؤهلة (ثلاث أو أربع شركات) تمتلك القدرة المالية لتقديم الضمان العيني، وتتمتع ببنيات تحتية كالمستودعات ومحطات التوزيع، يعد خياراً استراتيجياً أفضل من الاعتماد على شركات هلامية تمارس السمسرة والمضاربة، لا سيما وأن دخول الدولة كعامل استيراد مباشر ومحوري سيفرض سعراً تأشيرياً عادلاً يمنع الشركات المستوردة من فرض أي أسعار احتكارية.

▪️ كيف سيواجه الاقتصاد السوداني القفزة المتوقعة في أسعار الذهب محلياً بعد صدور هذا القرار؟

= أسعار الذهب محلياً تظل محكومةً بالأسعار والبورصات العالمية ولا يمكنها تجاوزها بأي حال من الأحوال، كما أن شراء الذهب محلياً بواسطة العملة الوطنية لصالح الشركات المستوردة وتوظيفه كضمان رسمي لدى البنك المركزي يمثل خطوة إيجابية تحد من عمليات التهريب وتوجه الموردين نحو القنوات الرسمية، وهو ما يعيد التأكيد على حتمية تأسيس بورصة وطنية للذهب تضمن أسعاراً عادلة، وتحفز المنتجين على تسليم معدنهم طوعاً واختياراً، بدلاً من بحث الشركات عن النقد الأجنبي في الأسواق الموازية.

▪️ هل تضمن منصة بلدنا الإلكترونية الشفافية الكاملة أم تفتح باباً جديداً للبيروقراطية وتأخير الشحنات؟

= “منصة بلدنا” صُمِّمت كآلية قومية موحدة تهدف إلى تسريع الإجراءات وحوكمة المعاملات التجارية وحمايتها من الثغرات، وهي منصة موثوقة ومحمية من التجاوزات الإدارية، غير أن نجاحها الكامل يظل رهناً بالمتابعة اللصيقة والمستمرة لضمان سرعة إنهاء المعاملات، وتفادي أي تعقيدات بيروقراطية قد تؤدي إلى تأخير الشحنات.

▪️ ما هي الضمانات الحقيقية لمنع التلاعب بالمستندات والبريد الإلكتروني المشترك بين الطاقة ومصفاة الذهب؟

= نظام الربط الإلكتروني المشترك والآمن بين وزارة الطاقة والمصفاة الوطنية والبنك المركزي يوفر حماية متكاملة تمنع أي اختراقات أو تلاعب بالمستندات؛ وبما أن المصفاة تمثل الوكيل الفني المعتمد للبنك المركزي، فإن آليات فحص المستندات والرسائل المتبادلة تخضع لرقابة صارمة ومباشرة تلغي مخاوف التزوير أو التلاعب بالمعاملات.

▪️ هل يتحمل الشارع السوداني حدوث أي نقص مؤقت في الوقود نتيجة عجز بعض الموردين؟

= الدولة ملتزمة قانوناً وأخلاقاً بعدم السماح بحدوث أي نقص في الإمداد النفطي، فمنذ إعلانها الدخول المباشر في استيراد المحروقات، أصبحت مسؤولة عن توفير الوقود وتأمين تدفقه واستقراره في كافة الولايات الآمنة والمستقرة؛ مع السماح للشركات الخاصة التي تستوفي الشروط المقررة بالاستيراد لتعزيز المخزون، شريطة الالتزام التام بالأسعار الرسمية المحددة.

▪️ لماذا يتم رهن السلع السيادية بالذهب في هذا التوقيت الحرِج من عمر الدولة السودانية؟

= الإجراء لا يمثل رهناً للسلع السيادية بمفهومه السلبي، بل هو تدبير نقدي احترازي من بنك السودان المركزي للتأكد من الملاءة والقدرة المالية للشركات المستوردة، وضمان التزامها بتنفيذ عقودها عبر وضع أمانات عينية من الذهب بقيمة (200) كيلوجرام، وهي أمانات مضمونة ومستردة بالكامل للشركات فور إيفائها بالتزاماتها الاستيرادية أو رغبتها في إنهاء نشاطها.

▪️ هل اشتراط مئتي كيلوجرام ذهب لكل شحنة يعد شرطاً تعجيزياً يهدد استقرار إمدادات الطاقة؟

= القرار الصادر يقضي بربط منح شهادة عدم الممانعة بإيداع ضمان عيني محدد، وهو ما يتطلب تفسيراً تفصيلياً وتوضيحياً من بنك السودان المركزي لآليات التطبيق؛ إذ إن القراءة الموضوعية للقرار تشير إلى أن هذا الضمان يُقدم لمرة واحدة كغطاء مستمر لعمليات الشركة، وليس كشرط تعجيزي متكرر لكل شحنة على حدة، مما يضمن استقرار تدفقات الطاقة دون إرهاق الموردين.

▪️ كيف سيؤثر هذا القرار على القيمة الشرائية للجنيه السوداني أمام سلة العملات الأجنبية قريبا؟

= هذا التدبير النقدي سينعكس إيجاباً على القيمة الشرائية للجنيه السوداني، إذ إن تولي الدولة لعمليات الاستيراد بالتعاون مع شركات وطنية ذات ملاءة مالية عالية سيمتص صدمات الطلب على النقد الأجنبي، ويحد من الضغط المستمر على سلة العملات، مما يدعم استقرار العملة الوطنية ويعزز قيمتها أمام العملات الأجنبية.

▪️ هل نقل ملف الاستيراد لمكتب رئيس مجلس السيادة يعكس مخاوف من فشل الآلية المصرفية؟

= لم يصدر أي إعلان رسمي يفيد بنقل ملف الاستيراد إلى مكتب رئيس مجلس السيادة، والأصل الثابت هو إدارة الملف عبر تكامل وتناغم تام بين الأجهزة السيادية والتنفيذية؛ بحيث يتحرك مجلس السيادة ومجلس الوزراء في إطار الصلاحيات والمهام الدستورية والقانونية الممنوحة لكل منهما، دون أي تداخل أو تعارض في الاختصاصات.

▪️ كيف يمكن للمصفاة الوطنية تحقيق الحوكمة الكاملة بعيداً عن مراكز النفوذ وضغوط كبار الموردين؟

= الحوكمة داخل المصفاة الوطنية محققة ومصونة بطبيعة تكوينها التنظيمي كذراع فني وتنفيذي مباشر للبنك المركزي، حيث تقتصر مهامها على الفحص والفرز والتصفية والتأمين وفق ضوابط صارمة، مما ينأى بها تماماً عن أي نفوذ خارجي أو ضغوط تمارسها كبار شركات الاستيراد والموردين.

▪️ هل ينجح هذا التكتيك النقدي الجديد في تجفيف منابع السوق الموازية للدولار بشكل نهائي؟

= يسهم هذا التكتيك بشكل فعال وملموس في تقليص أنشطة السوق الموازية للعملات، غير أن تحقيق التجفيف الكامل للمنابع يظل مشروطاً بحزمة إجرائية متكاملة؛ تشمل تشديد الرقابة لمنع تهريب الذهب، ورفع معدلات التصدير، وضبط الاستيراد، وترشيد الإنفاق الحكومي في الموازنة العامة، وزيادة الإيرادات العامة دون المساس بمعاش المواطن، فضلاً عن إيجاد معالجات مصرفية جاذبة لاستقطاب تحويلات المغتربين التي تعوقها الفجوة الحالية بين السعرين الرسمي والموازي.

▪️ ما هو السيناريو البديل إذا أحجمت الشركات الكبرى عن الاستيراد بسبب شروط الضمان العيني؟

= السيناريو البديل والجاهز للتنفيذ هو تولي الدولة بشكل مباشر وعبر مؤسساتها الرسمية كامل عمليات استيراد وتأمين المشتقات النفطية، وتغطية حاجة البلاد الأساسية من المواد البترولية؛ وبناءً على ذلك، فإن إحجام الشركات الخاصة لن يشكل مأزقاً أو أزمة في الإمداد النفطي.

▪️ هل يعتبر هذا القرار اعترافا ضمنيا بفشل السياسات السابقة في السيطرة على غطاء الاستيراد؟

= يمثل القرار تصحيحاً ضرورياً ومطلوباً منذ بداية الأزمة الحالية؛ إذ إن استحواذ الدولة على استيراد السلع الاستراتيجية الثلاث (المشتقات النفطية، القمح، السكر) التي تلتهم فاتورة استيرادها ما يقارب المليار دولار سنوياً، سيخرج هذه الكتلة النقدية الضخمة من دائرة المضاربة في السوق الموازية، وتوجه الدولة حالياً نحو إدارة قطاع الوقود يمثل الخطوة الأولى لحماية غطاء الاستيراد، وتمهيداً لخطوات قادمة تؤمن استيراد الدقيق والسكر بما يحقق الاستقرار المستدام لسعر الصرف.

Comments (0)
Add Comment