تحتفل ولاية كسلا هذه الأيام بأسبوع المرور العربي، برعاية السيد والي ولاية كسلا اللواء ركن معاش الصادق محمد الأزرق، في مناسبة تتجاوز الطابع الاحتفالي إلى كونها محطة وطنية مهمة لمراجعة واقع السلامة المرورية، وتعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ ثقافة احترام القانون وحماية الأرواح والممتلكات.
فالمرور ليس مجرد حركة مركبات في الطرقات، ولا هو مجرد إشارات وتنظيمات إدارية، بل هو سلوك حضاري يعكس مدى وعي المجتمع، واحترامه للنظام، وإدراكه لقيمة الإنسان والحياة. وقد أصبحت قضية السلامة المرورية اليوم من أهم القضايا التي تقاس بها درجة التحضر في المجتمعات، لأن الطريق ليس مجرد مسار للنقل، بل مساحة مشتركة تتقاطع فيها المسؤوليات والحقوق والواجبات.
وتأتي أهمية أسبوع المرور العربي في ظل التحديات التي تواجهها كثير من المدن السودانية، ومنها ولاية كسلا، من ازدحام متزايد، وضعف في الالتزام بقواعد السير، وارتفاع معدلات الحوادث، إلى جانب قصور في البنية التحتية المرورية، من إشارات، وعلامات إرشادية، وصيانة للطرق، وتنظيم لحركة الأسواق والمواقف العامة.
إن ولاية كسلا بما تمثله من ثقل سكاني وتجاري وحدودي، تحتاج إلى رؤية مرورية متقدمة تتناسب مع موقعها الاستراتيجي وحركتها اليومية النشطة، خاصة مع التوسع العمراني، وزيادة أعداد المركبات، وتنوع وسائل النقل بين المدن والأحياء والأسواق.
ولا شك أن رعاية السيد الوالي لهذه المناسبة تعكس اهتمام حكومة الولاية بهذا الملف الحيوي، وتؤكد أن السلامة المرورية ليست مسؤولية شرطة المرور وحدها، بل مسؤولية تشاركية تشمل الحكومة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، والإدارات الأهلية، ومنظمات المجتمع المدني، بل وكل مواطن يستخدم الطريق.
إن الارتقاء بالوعي المروري في ولاية كسلا يبدأ من المدرسة قبل الشارع، ومن الأسرة قبل القانون. فغرس مفاهيم احترام الطريق، والالتزام بالإشارة، وأولوية المشاة، وربط حزام الأمان، وعدم السرعة الزائدة، يجب أن يكون جزءًا من التربية اليومية، لا مجرد تعليمات موسمية تظهر في المناسبات ثم تختفي.
كما أن الإعلام المحلي مطالب بدور أكبر في نشر الثقافة المرورية، عبر البرامج التوعوية، والرسائل الإرشادية، واستضافة المختصين، وعرض قصص واقعية لحوادث كان يمكن تفاديها بالوعي والانضباط.
ومن المهم كذلك إعادة النظر في تنظيم الأسواق والمواقف العشوائية التي أصبحت سببًا رئيسيًا في الاختناقات المرورية، إلى جانب ضرورة دعم شرطة المرور بالإمكانات الفنية والتقنية الحديثة، وتفعيل الرقابة الميدانية بصورة مستمرة، لا موسمية.
كما أن إشراك الشباب والطلاب في حملات التوعية الميدانية يمكن أن يصنع أثراً كبيراً، لأن الرسالة حين تأتي من داخل المجتمع تكون أكثر قبولاً وتأثيراً.
وفي هذا السياق، لا بد من توجيه رسالة خاصة إلى رجل المرور، ذلك الجندي الميداني الذي يقف تحت حرارة الشمس، وفي زحام الشوارع، وفي ساعات العمل الطويلة، ليحفظ النظام ويحمي الأرواح. رجل المرور ليس مجرد منفذ للقانون، بل هو واجهة الدولة أمام المواطن، وصورة المؤسسة النظامية في الحياة اليومية.
وللأسف، ما زالت هناك ذهنية سلبية يحملها بعض المواطنين تجاه رجل المرور، تنظر إليه من زاوية المخالفة والعقوبة فقط، بينما الحقيقة أن دوره أعمق من ذلك بكثير؛ فهو مرشد، ومنظم، وحارس سلامة عامة، وشريك في حماية المجتمع من الفوضى والخطر.
ومن هنا، فإن تحسين العلاقة بين المواطن ورجل المرور يتطلب جهداً متبادلاً؛ فالمواطن مطالب باحترام رجل المرور والتعاون معه، ورجل المرور مطالب كذلك بأن يكون نموذجاً في السلوك، والصبر، وحسن التعامل، والقدرة على احتواء المواقف المختلفة بحكمة واتزان.
فرجل المرور يتعامل يومياً مع أصناف متعددة من الناس، بعقليات متفاوتة، وظروف نفسية واجتماعية مختلفة؛ يقابل الغاضب، والمستعجل، والمتوتر، والجاهل بالقانون، والمتعمد للمخالفة، وكل ذلك يتطلب تأهيلاً خاصاً لا يقتصر على المعرفة القانونية فقط، بل يشمل التدريب النفسي، ومهارات التواصل، وفنون إدارة الأزمات، والانضباط المهني.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في قطاع المرور يبدأ من تدريب العنصر البشري، لأن رجل المرور المؤهل مهنياً وأخلاقياً هو القادر على صناعة احترام القانون دون صدام، وعلى فرض النظام دون إساءة، وعلى كسب ثقة المواطن لا مجرد فرض السلطة عليه.
ولا يفوتنا هنا أن نشيد بالدور الكبير الذي تقوم به شرطة المرور في ولاية كسلا رغم التحديات والإمكانات المحدودة، فهم خط الدفاع الأول في حفظ الأرواح وتنظيم الحياة اليومية، ويستحقون الدعم والإسناد المجتمعي والمؤسسي.
إن أسبوع المرور العربي يجب ألا يكون مجرد لافتات وشعارات، بل نقطة انطلاق حقيقية نحو مشروع دائم لبناء ثقافة مرورية جديدة، تقوم على الوعي والانضباط والاحترام المتبادل.
فالحادث المروري لا يقتل فردًا فقط، بل يهز أسرة كاملة، ويترك جرحًا اجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا قد يمتد لسنوات.
والأمم لا تتقدم فقط بالمشروعات الكبرى، بل أيضًا بطريقة عبور مواطنيها للطريق.
فلنجعل من هذه المناسبة بداية جديدة، ولنجعل من كسلا نموذجًا في الانضباط المروري، كما كانت دائمًا نموذجًا في المبادرات المجتمعية والوعي الوطني.
فالطريق الآمن… وطن آمن.